المشروع والمحظور فى نقد يوليو!
عبد الله السناوي
آخر تحديث:
الأحد 26 يوليه 2026 - 9:05 م
بتوقيت القاهرة
لا توجد ثورة فى التاريخ تستعصى على النقد.
النقد مشروع تمامًا لتجنب تكرار أى أخطاء ارتُكبت فى المستقبل.
التجهيل قضية أخرى.
إنه اعتداء مباشر على الذاكرة الوطنية يمنع أى تصحيح ويحجب كل تراكم.
«والله لو استقبلت من أمرى ما استدبرت لكنت من رجاله وحاربت خلفه».
كان ذلك تعبيرًا متحديًا أطلقه نقيب المحامين التاريخى «عبد العزيز الشوربجى» فى محضر تحقيقات معه أمام النيابة العامة، بأجواء اتفاقية «كامب ديفيد» والملاحقات التى لحقتها.
بخلفيته السياسية، فهو «وفدى» يجافى تجربة «جمال عبدالناصر»، غير أنه، فى لحظة «كامب ديفيد» وما تمثله من خطر داهم على الوطنية المصرية، أعلن انحيازه إليه.
فقيه قانونى آخر، من أفضل من مروا على مصر من المحامين الكبار، هو الدكتور «محمد عصفور»، وجد نفسه - بقوة الوطنية المصرية، رغم الخلاف المعلن مع «عبدالناصر» - يقول فى حوار صحفى منشور: «أمريكا استغلت السادات لإجهاض مشروع ناصر».
كان ذلك تأكيدًا ثانيًا على الرؤية نفسها.
حين بدأ السجال يحتد داخل مصر، والحملات تأخذ مداها بين عامى (١٩٧٤-١٩٧٥)، كان الدكتور «لويس عوض» يعمل أستاذًا زائرًا بجامعة كاليفورنيا (لوس أنجلوس).
«كنت فى أوقات متباعدة ألتقى فصائل من المصريين تقيم حفلات الحقد المستمر على عبدالناصر والناصرية، وتردد كل سخافة تقرؤها فى الصحف الأمريكية، فإذا رأت أن الجرائد الأمريكية تهلل لأن فايز حلاوة كتب مسرحية اسمها «يحيا الوفد» تسب الروس، مجدت فايز حلاوة دون أن تعرف شيئًا عن مسرحياته».
«وكنت أهتم بأن أسأل هؤلاء النازحين هذه الأسئلة المحددة: هل صادر عبدالناصر لك أو لأسرتك أملاكًا؟ فيقول: لا. هل سجنك عبدالناصر أو سجن فردًا فى أسرتك يومًا واحدًا؟! فيقول من يحاسب الناس وهو فى أمريكا: لا. فلمَ إذن هذه المرارة ضد عبد الناصر؟ إنه خرب البلد بالقطاع العام والتبعية للسوفييت. كل ما فعله عبدالناصر دميم وينبغى نقده. حتى السد العالى ينبغى هدمه».
أهمية هذه الشهادة فى صاحبها، وأنه أدلى بها وهو يقف على الجانب الآخر من التجربة الناصرية، وفى معرض نقده لها.
ربما أراد أن يضع نفسه فى حيز مختلف حتى لا تختلط وجوه ومواقف كأنها واحدة.
«للناصرية اليوم، وبعد وفاة صاحبها، نقاد بلا عدد، ولكن لا تجوز مناقشة بعضهم؛ لأنهم مجردون من الشرف الوطنى، أو من الشرف الشخصى» - كما كتب حرفيًا.
بعض ما يُكتب اليوم على شبكات التواصل الاجتماعى، من سبّ وشتم ثورة «يوليو»، يستحق أصحابه الأوصاف نفسها.
انفلات الأعصاب بالسباب والشتائم يعكس أمرين رئيسيين.
الأول، أن مشروع «يوليو» ما يزال ماثلًا وملهمًا بقوة فى المجال العام، دليلًا إلى المستقبل.
والثانى، اليأس شبه الكامل من إزاحة «يوليو» خارج ذاكرة ووجدان المصريين.
لا ينفى ذلك ضرورة نقد أخطائها الأساسية، وإضافة قيمتى الديمقراطية وحقوق الإنسان إلى صلب مشروعها.
بطبائع الأمور، كان رد الفعل بذات درجة الضراوة؛ لا تسامح ولا مهادنة مع الحملة وأصحابها.
فى مثل هذه الأحوال غاب ما كانت تحتاجه مصر من حوار حول التجربة الناصرية، وسادت رغبة الانتقام من مشروعها قبل أى شىء آخر.
منذ سبعينيات القرن الماضى تعرضت «يوليو» لنوعين متناقضين من النقد، أحيانًا من الأشخاص أنفسهم، حسب ظروف الزمان ومتغيراته.
أولهما، يأخذ عليها أنها لم تمضِ فى العمل الثورى إلى آخره حتى تجتث الطبقات القديمة، أو أنها لم تكن حمراء دموية شأن الثورات الفرنسية والبلشفية والصينية والجزائرية، التى شهدت تصفيات جسدية بين قياداتها.
ووصفت تجربتها الاقتصادية بـ«رأسمالية الدولة»، ونُزعت عنها صفة «الاشتراكية العلمية»، على ما تقضى به النظرية الماركسية.
كانت تلك دعوة صريحة إلى تأميم المجال الاقتصادى كله، وضرب القوى القديمة بكل عنف ثورى.
وثانيهما، يأخذ عليها ما اتخذته من إجراءات عنيفة خلّفت جرحى، كالتأميمات والحراسات، أو انتهاكات واعتقالات.
أسوأ قراءة ممكنة هى نزع الحوادث عن سياقها، أو ادعاء الحكمة بأثر رجعى.
عند مطلع التحول الاشتراكى، وحسم الخيارات الاجتماعية لثورة «يوليو»، سجل «عبد الناصر» بخط يده أفكاره وتصوراته عن تناقضات مرحلة التحول وسبل حلها.
لعله أراد أن يرتب أفكاره الرئيسية على الورق قبل الإقدام على أى خطوات ضرورية فى المواجهات المحتملة.
كان ذلك يوم (٢٧) أكتوبر (١٩٦١).
وصف القرارات الاشتراكية بـ«الثورة الاجتماعية»، وما قبلها منذ عام (١٩٥٢) بـ«الثورة السياسية».
كان سؤاله الأول: «فى أى اتجاه يجب أن نسير.. إلى الرأسمالية أم الاشتراكية؟».
لم يكن هناك تردد فى اختيار الموقع الذى يقف فيه.
كان سؤاله الثانى: من هو الشعب، ومن هم أعداء الشعب؟
السؤال بنصه تعبير عن عصر عالمى كامل فى توصيف التناقضات الرئيسية والثانوية.
هناك «خلافات متعارضة» لا سبيل إلى حلها إلا بـ«سحق المناهضين للاشتراكية».. «جميع من يعملون على تقويض النظام الاشتراكى»، بالنظر إلى أن الطرف الآخر فى الصراع يستخدم كل الأساليب الممكنة لضربه وتصفيته، ومنع التحول إلى دولة العدل الاجتماعى.
تعبير «السحق» يستجيب للنوع الأول من النقد لتجربته، ويحتمل إجراءات أكثر تشددًا لم تحدث فى التجربة العملية.
أن تكون هناك تجاوزات وانتهاكات حدثت شىء، و«السحق» - كما فى تجارب ثورية أخرى - شىء آخر تمامًا.
على الورقة نفسها دعا إلى «تعيين الحدود بالضبط فى إدارة هذا النوع من التناقض».
«بالاختصار لا حرية لأعداء الشعب».
العبارة نفسها وردت بنصها فى الميثاق الوطنى.
كان ذلك هو التناقض الرئيسى، حسب التوصيف الشائع فى ذلك الوقت فى الأدبيات الثورية العالمية.
كان سؤاله الثالث: ماذا عن التناقض الآخر داخل الشعب نفسه؟
كانت إجابته: «جميع الطبقات والجماعات التى تؤيد وتساند البناء الاشتراكى وتساهم فيه».. «التناقضات بين الطبقة العاملة والبرجوازية الوطنية ليست متعارضة».. «وهى تستدعى تعيين الحدود بين الخطأ والصواب».
ثم صاغ شعارًا لافتًا: «كل الحريات للشعب».
«الديمقراطية وسيلة تقابل الأساس الاقتصادى والاجتماعى».
«إن جميع المسائل المختلف عليها.. لا يمكن أن تُحل إلا بالأساليب الديمقراطية، بالنقاش والإقناع والتثقيف، ولا يمكن حلها بأساليب الضغط».
أهم استنتاج ممكن من الوثائق الخطية التى احتوتها «حافظة أوراق محمد حسنين هيكل»، أنه كان ثوريًا حقيقيًا بلا أى ادعاء؛ فهو يكتب لنفسه دون أن يخطر بباله أن ما يكتبه موضوع للنشر، ومفرداته تشى بدرجة عالية من الاطلاع على أدبيات الثورة المعاصرة.
وبذات القدر، كان ثوريًا حقيقيًا فى مراجعة تجربته بشجاعة استثنائية بعد هزيمة «يونيو»، ونقدها بأقسى العبارات.
النقد مشروع وضرورى لإحكام النظر فى أهم تجاربنا المعاصرة، حتى يمكن استئناف المشروع الوطنى المتجدد، أما التجاوز بالألفاظ والمعانى فهو محظور على أى بلد يحترم تاريخه الوطنى.