فى الذِهابِ إلى الذُروَة

بسمة عبد العزيز
بسمة عبد العزيز

آخر تحديث: الجمعة 25 سبتمبر 2026 - 7:30 م بتوقيت القاهرة

كلما رحت أحث نفسى على إنجاز ما يفوق خطتى الأصلية؛ كلما تذكرت مثلا طريفًا كنت أسمعه من جدَّتي: "إن سرقت اسرق جمل وإن عشقت اعشق قمر"؛ والمراد أن يستهدف المرء دومًا بلوغ القمة؛ لا أن يكتفى بما دونها ولو كان مقبولا، وأن يستخدم كامل طاقته وجُلَّ مشاعره فى الوصول إلى أقصى حد منظور.
• • •
المعنى ينطبق على أحوال متباينة والحق أن معظم الأفعال ما جُردت من التفصيلات بقى جوهرها وحده دون رتوش؛ السرقة واحدة مهما تضاءلت أو ارتفعت قيمة المسروق، الكذب هو نفسه وإن اختلفت ألوانه، والظلم كذلك أيضًا، وبالمثل ما كانت له قيمة إيجابية كالتحدى والشجاعة والمصارحة، فإن غامر المرءُ بتحمُّل العاقبة؛ كان الأفضل له أن يتصرف بما يعادلها وأن يعتلى بفعله الذروة؛ ولا يكتفى بما دونها.
• • •
الذروة فى معاجم اللغة العربية هى قمة الشيء والعادة أن يرغب الناس فى تبوئها؛ لكن المفردة لا تشير على الدوام إلى كل ما هو إيجابيّ منشود؛ وأكثر التعبيرات الحاضرة فى الذهن سلبية حول معناها، هى الحديث عن وقت الذروة وذروة الزحام؛ تلك التى تستهلك القدرة على التحمُّل وتهدر الساعات بلا طائل.
• • •
يأتى القولُ المأثور ناصحًا السامع: "إن كنت مناطحًا فناطح بذوات القرون" أيّ؛ خُضْ النزالَ بأقوى أدواتك وأنجعها، وأكثرها قدرة على حَسم المعركة، فالاستعداد غير الكامل يجلب الخسارة، واللين عند مَوضِع الجَدّ؛ إيذانٌ بالهزيمة، وفى السياق ذاته فإن المناورةَ الساذجة التى لا تتمتَّع بالإحكامِ الكافى والتدبير؛ تغدو ملهاةً أكيدة.
• • •
من بين الأمثال العربية التى ما فتأت تثبت صدقها: "إذا ضَرَبت فأوْجِع، وإذا زَجَرت فأسْمِع"؛ لا يكون الضرب خفيفًا ولا يكون التوعد والنهر ضعيفًا؛ إذ ينبغى أن يصلا الذروة كى يحدثا أثرهما. ما من شكّ أن الناسَ فى استجاباتهم مختلفون؛ فثمَّة من تكفيه الإيماءةُ وتؤلمه الإشارةُ وتُرجِفُ أذنَه الهَمسةُ، وثمَّة من يعانى بلادة الحِس والبدن على حد سواء، والحِكمة البليغة تُصنف النوعين وتَصِفُ لكل منهما العلاج الملائم فتقول: "العبدُ يُقرَّع بالعصا والحُرُّ تكفيه المَلامة".
• • •
الصَوم ذروةُ امتناع وغالبًا ما يعقبه إفراط فى تناول الطعام؛ فإن لم يحدث وانتهى الأمر إلى فتات لا يغنى من جوع، ولا يقيم الأود بعد طول انتظار؛ ظهر التناقضُ جليًّا ولفت الانتباه، وأوُجِزَت الحالُ فى المثل الشهير: "يصوم يصوم ويفطر على بَصَلة". أذكر مشهدًا ساخرًا فى فيلم البيه البواب؛ حين تقاعد الأستاذ "فرحات" فؤاد المهندس وأقام له الزملاء حفل تكريم ثم حانت لحظة تلقيه المكافأة؛ فإذا بالمدير يسلمه وسط التصفيق والثناء، ثلاث شهادات استثمار قيمتها المجمعة ثلاثون جنيهًا. عبَّر فؤاد المهندس بملامحه عن خيبة الأمل المترتبة على البصلة التى نالها؛ فجاء الأداء كعادته رفيعًا. المثلُ مُستخدَم على نطاق واسع والمناسبات التى تستدعيه إلى الذاكرة كثيرة: الطالب الذى بذل جهده ثم انتظر النتيجة؛ فإذا بمجموعه ضعيف لا يوفى بتطلعاته؛ قد أفطر على بصلة.
• • •
ذروة الغضب عنفٌ. ذروة العداء حربٌ. ذروة الذكاءِ عبقريةٌ، وذروة العشق فناء فى ذات المحبوب، أما تكرار الأخطاء ذاتها أملًا فى أن تتبدَّل النتيجة؛ فذروة حمْقٍ لا تعادلها أخرى.
• • •
بعض الأحيان يصبح الوصول إلى الذروة حالًا سلبيةً؛ إذ يدرك المرءُ أنه قد بلغ المُنتهى، وأن شيئًا جديدًا لن يتحقق من بعد. يفقد حينها شغفه، وتتضاءل حماسته ويتجمَّد فى موضعه، والظن أن الشعور بالاكتفاء يولد زهدًا فى مواصلة الكد؛ لكن من مباهج الحياة أن تكون المعرفة مدادًا لا ينضب ولا يتحقق فى رحابها الإشباع التام؛ مهما حصل المرء وجد واجتهد، والظن أن كل خطوة جديدة تحرض على طلب المزيد ومواصلة السعى.
• • •

غنى عبد الوهاب: "يسمو إلى الذُروةِ فى زَهوِها.. وينثنى والسَّهلُ رَحبٌ مَديد.. يا ليتنى والسِحرُ عالى الذُرى.. أرقى إلى ذاك الجَمالِ الفريد". الأبيات من قصيدة "نجوى" التى كتب كلماتها عبد المنعم الرفاعى، ولحنها عبد الوهاب من مقام الراست. المفردات التى استخدمها الشاعر والصور المرسومة فيها من العمق والتركيب ما يذهل، ويثير الأسى حول ما صارت إليه الأغانى فى أواننا هذا.
• • •
لكل شخص أن يحدد الذروة التى يبغى ارتقاءها وفق طموحاته، ويسعى إلى البقاء فيها باستخدام مهاراته وإمكاناته. بعض الذرى تلوح شديدة الارتفاع سامية بعيدة، وأخرى تبدو دانية قريبة لكنها ضئيلة القيمة. يتفاوت الناس فيما يقبلون وما ينبذون؛ منهم من يقنع بالقليل الرخيص ومن يطمح إلى الثمين الغالى، ولا جدال أن القُّدرة على رفض المذلة وطلب الرفعة والسيادة؛ أمر يقتصر على الندرة.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved