فى الطَّبع المُستدَام
بسمة عبد العزيز
آخر تحديث:
الجمعة 24 يوليه 2026 - 7:00 م
بتوقيت القاهرة
اجتمَعَت العائلةُ فى الصالة، بنتٌ وصَبيٌّ لم يتجاوزا العاشرة وفتى أكبر يبدو فى مرحلة المراهقة، وقد تلقى ثلاثتهم أمرًأ صارمًا بترك الهواتف المحمولة جانبًا وعدم لمسها؛ فافترشت البنتُ ركنًا بعيدًا وراحت ترصُّ بضعة مكعبات ملونة يعاونها أخوها الأصغر؛ فيما أخذ الأكبر يستفزهما بشتَّى الطرق ويعابثهما بإسقاط ما نظما؛ لتستحيل القعدةُ فى لمحة عين إلى معركة ضارية. ضجَّ الأب بعد قليل من المشاحنة والشكوى، فصاح مُستنكِرًا: "مش كبرت على كده؟"، ضحكت الأمُ التى تعرف ولدها حقَّ المَعرفة وردَّت دون تفكير: "مَن شبَّ على شيء شاب عليه".
• • •
التعوُّد على سُلوكيات مُعيَّنة يرسخها ويجعلها جزءًا من طبيعة الفرد. يمارسها بعفوية ولا يُخضِعها للحسابات المعتادة مَهما جابه من نقد ومَهما تلقى من أوامر، وفى هذا الصدد يأتى المثل الشعبيّ الذائع: "نهيتك ما انتهيت والطبع فيك غالب؛ ديل الكلب ما ينعدل وإن علقوا فيه قالب". الصورة مُضحكة، تترجم بنجاح ما يجرى على أرض الواقع؛ لكنها تبدو متجاوزة لشروط التهذيب، مفتقرة إلى اللياقة الواجبة؛ فالتشبيه المباشر بذيل الكلب قد يُمسى جارحًا لبعض الناس مِمَن يفتقرون إلى روح الدعابة والهذر.
• • •
تقول الحكمةُ العربية الفصيحة: "الطبع يغلب التطبُّع"، والقصد أن سِمات الشَّخصية التى يوُلِد بها المرءُ قادرة على هزيمة أى سلوك طارئ أو مُكتسَب. ما تفرضه الوراثة وعواملها أقوى على الدوام من محاولات التغيير المُستجدة كافة، ولا عجب فى هذا؛ فكلّ ذى جذرٍ عميقٍ هو بتعريفه أكثر ثباتًا وتماسكًا وصلابة مما يَعلق بالسطح وحده.
• • •
لا جدال أن "الطبع غلَّاب" وقلما يتمَكن الواحد من التحوُّل عن عادة نشأ عليها إلى أخرى غريبة عنه؛ لا أساس لها عنده ولا أصل، رغم هذا يكتسب كثير الناس عادات مستحدثة ويمارسون طقوسًا مختلفة عما اعتادوا حين يغادرون مواطنهم الأصلية إلى أخرى جديدة ويستقرون فيها فترات مُمتدَّة، فيندمجون مع أهلها ويتشبعون بطبيعة حياتهم. البعض يفعل العكس؛ يسعى إلى نقل عاداته وطقوسه معه، يصطحبها أينما ارتحل وحَط، وربما حاول فرضها على الآخرين؛ بل وقد يتهمهم متى فشل بالانغلاق وعدم قبول المختلفين. ينسى حينها أنه هو نفسه قد انغلق منذ البداية، فأدار وجهه بعيدًا، وعزف عن استقبال الثقافة المغايرة التى ذهب بأقدامه إليها.
• • •
إذا تشارك عددٌ من الأشخاص الصفات نفسها؛ لم يعد من محل لانتقادها ولو كانت سلبية، وإذا تميز بها واحد عن المجموع؛ فربما طالته السُّخرية ونال منه التجريح. الهدوء الشديد الذى يقترب بعض المرات من البلادة، لا يصبح مستفزًا إلا فى وجود شخص عصبيّ المزاج. التردُّد الشديد عند اتخاذ أى قرار، لا يكون مؤرقًا إلا فى صحبة شخص حاسم مِقدام. الخوف من أى تجربة وتفضيل المعروف المألوف على المجهول، لا يغدو منهكًا ومًملًّا إلا فى حضور شخص مُغامِر لا يتهيَّب المبادرات؛ وعلى هذا المنوال تمضى الأمور.
• • •
يَستوجِب العلاج السلوكى تعاونًا جادًا، قائمًا على المعرفة المُستبصِرة بين الطرفين الأصيلين؛ إذ لا يتأتى أن يبذل المُعالج جهدًا حثيثًا مخلصًا لتحقيق الهدف المرجو؛ فيقابله طالب المساعدة؛ بالمقاومة الواعية المُتعمَّدة. هناك من يسعون لتحسين أنماط حيواتهم؛ لكنهم ينكصون عن أداء الشق الخاص بهم، وهناك من يتمكنون من ترويض ذواتهم، والخروج بمكاسب حقيقية تثير الإعجاب. بين أولئك وهؤلاء، تقع النسبة العظمى من الناس التى يتذبذب أداؤها وتتفاوت رغبتها فى ظل المتغيرات المعيشية المتسارعة.
• • •
"عادتك ولا هاتجيبها من بره؟" سؤال استنكارى يثبت الأمر الواقع، يستعمله الناس متى كرَّر أحدهم فعلًا يستهجنونه، ويأملون أن يكفَّ عنه؛ لكنهم يدركون ما بالأمر من عسر، والحقيقة أن العادات التى درج الواحد عليها جزءٌ لا يتجزأ من شخصيته وتكوينه، إن تركها قسرًا شعر بالاغتراب، وإن مارسها فى سلام هدأت نفسه وأحس الألفة والدفء والاطمئنان.
• • •
يقال متى انفعل أحدهم سريعًا: "أصل طبعه حامي". "الحامي" هنا وبالمعنى العاميّ المتعارف عليه؛ هو الحاد المشحوذ؛ والكلمة تطلق مثلًا على قرون "الفلفل الشطة"، وعلى أنصال الأسلحة البيضاء بدءًا من السّكين إلى السَّيف، وفى هذا الإطار يجرى تصوير الشخصِ الذى لا يتريَّث فى ردة فعله؛ إنما يبغى "قطع العرق وتسييح الدم" فى التوّ واللحظة، ويتخذ من القرارات ما قد يندم عليه لاحقًا. فى بعض المواقف تكون "الطباع الحامية" أمرًا إيجابيًا محمودًا، ويُلاحَظ أن وَصفَ الشخصِ بأنه "ذو حميَّة" يُعلى من شأنه ولا يعيبه؛ إذ يوحى بأنه لا يعرف فى مواقفه اللين والتراخى ولا يصمت عن خطأ يراه.
• • •
بعض الأقوام يتَّسمون بكرم زائد عن المألوف، وغيرهم يتَّسم بالبُخل والتقتير. آخرون سَمتُهم الإصرار والمثابرة، وعلى نقيضهم هؤلاء الذين سرعان ما يتضجَّروا ويسعون إلى أى صورة من صور التغيير. هؤلاء الذين لا يتمكنون بطبعهم من تكتم نبأ أو معلومة؛ فيخلقون أزمة تلو أخرى، وتُذكَر فى هذا الشأن واقعة تصريح ترامب بأن رئيس الفيفا قد رفع البطاقة الحمراء عن لاعب بالفريق الأمريكى بناء على مهاتفة شخصية منه، وكان الأمر ليمر بسلام وفى سكون؛ لو لم يكن رئيس الولايات المتحدة مفطورًا على إفشاء الأسرار.
• • •
الطباعةُ فعلٌ فنيٌّ بالدرجة الأولى والممتاز منها لا يزول ولا تخفُّ زهوته بمرور الوقت؛ مثله مثل الطباع الأصيلة فى الإنسان؛ تمضى معه إلى النهاية دون أدنى تغيير، فإن قيل "فلان مطبوع على كذا" فلا جدوى من محاولة دفعه للنقيض؛ إذ ميوله ثابتة لن يغيرها الزمن ولن يبدلها.