حرب الفراولة

محمود قاسم
محمود قاسم

آخر تحديث: الجمعة 24 يوليه 2026 - 6:55 م بتوقيت القاهرة

الكثير من أبطال الأفلام التى أخرجها خيرى بشارة تدور أحداثها فى بيوت الأغنياء الذين حصلوا على أموال تكفيهم للحياة طيلة العمر دون الحاجة إلى الآخرين، ما يولد لدى كل منهم الإحساس بالملل والتغلغل فى معانى الكون بحثا عن فهم حقيقى للحياة، ومن بين هذه الأشياء استخدام الفقراء وأغلبهم من الشباب، كى يمارسوا ألعابا غرائبية مجنونة، مقابل الحصول على مكافأة مالية أو العثور على امرأة جميلة يعجب بها، وذلك مثلما حدث فى فيلم «كابوريا»، وأيضا «حرب الفراولة» الذى تم إخراجه عام 1994، والجدير بالذكر هنا أن ثابت الرجل الثرى لم يكن فى الأصل من الأثرياء، بل عرف الفقر المدقع قبل أن يستجمع الثروات التى جاءت بشكل متقطع، حتى صار لديه المبانى والشركات والقصور، لكن كل هذا لم يجعله يشعر بأى رضا، خاصة بعد وفاة ابنه الوحيد فى النهر، وها هو يقيم الآن فى شقة واسعة بحى جاردن سيتى، وهو الذى استرعى انتباهه ذات يوم أن حمامة الشاب الفقير هو شخص بالغ السعادة، يبدو تلقائيا، يغنى، ويرقص، ويرافق امرأة مطلقة، فراولة، الأم لصبى فى نفس العمر الذى مات فيه ابن ثابت، وعلى طريقة علاقة مفيستوفيليس بالدكتور فاوست فإن الرجل الثرى يعرض على حمامة أن يكون مفسرا وسببا لإدخال السعادة إلى حياته، كى يقتل كل هذا الملل، والأحاسيس المتناقضة بداخله، ويأتى حمامة إلى بيت ثابت، حيث السكرتارية والحياة الأفخم والأموال الكثيرة، ويحاول بكافة الأشكال أن يدخل السعادة على المليونير الحزين، أحيانا تسول له نفسه أن يفعل كل ما هو غير مألوف، فيشكل عصابة قليلة العدد ترتدى ملابس رجال الدين المسيحى لتستولى على بنك يمتلكه ثابت فى واضح النهار، لكن العملية التى تنجح لا تكون سببا أبدا فى إسعاد المكبوت، كما أن ثابت وحمامة يرتديان ملابس النساء ويحضران إحدى الحفلات بدافع التغيير، لكن السعادة لا تأتى، ويحاول حمامة من خلال رفيقه الإتيان بأى سبب لهذه السعادة لكن النتائج دائما محبطة، ولا يبقى أمام ثابت سوى أن يستميل فراولة ويسعى إلى الزواج منها لعله يجد فيها السعادة، وخاصة أنه يعتبر ابنها كأنه من صلبه، هذا الحادث يشكل صاعقة نفسية بالنسبة لحمامة، وتأتى النتائج دائما للفقراء أنهم يستحقون المستوى الاجتماعى الذى يعيشون فيه، ولا أمل منهم مثلما حدث لحسن فى فيلم «كابوريا»، وأيضا لبعض الأشخاص فى فيلم «أيس كريم فى جليم».


إذا فعالم خيرى بشارة مسكون بالأغنياء والفقراء، كل يلعب دورا فى حياته الخاصة، وهو بذلك يغير من دورة حياة الآخر، ويجب على هذا الآخر أن يكون فقيرا جدا، كسولا، بغير طموح، ليس لديه عمل محترم، وفى حياة كل منهم هناك صدمة عاطفية أو أسرية، ويبدو أمام كل منهم أن الغد لن يأتى أبدا، لذا يجب أن يعيش اليوم بكل ما به من اتساع، وأبواب مغلقة، ففى حياة الرجلين هنا انغلقت أبواب الماضى مسفرة عن ثابت الثرى الذى يمتلك البنك، وحمامة الذى تحبه المرأة التى يعيش معها، كما أن حمامة لا يتأخر فى أن يشرك أمه العجوز معه فى سرقة البنك الذى يملكه واحد من الذى قاموا بالسطو عليه، يعنى نحن أمام ألعاب جديدة أشبه بالمسابقات اللا مجدية التى كان يشترك بها الملاكم حسن هدهد مع رفاقه فى ساحة الملاكمة فى بيوت الأغنياء، وفى النهاية فإن كل شىء يتناثر، ويذوب، وتذره الرياح، وكما نرى فإن النهايات المفتوحة هى الحل الأمثل لأمثال هؤلاء العبثيين الذين نعيش بينهم، وبدا خيرى بشارة ومعه كاتب السيناريو مدحت العدل معجبين بهم من فيلم لآخر، ولعل هذا يفسر أن المخرج قد ترك السينما فى فترة مبكرة من حياته وكأنه خسر أغلب الحروب التى خاضها، ومنها «حرب الفراولة»، علما بأن هناك فيلما أمريكيا تم إنتاجه فى الثمانينيات باسم «حرب الفاصوليا».

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved