آفاق مستقبل النفط

قضايا اقتصادية
قضايا اقتصادية

آخر تحديث: الأربعاء 22 يوليه 2026 - 7:05 م بتوقيت القاهرة

نشرت جريدة الشرق الأوسط اللندنية مقالا للكاتب وليد خدورى، يؤكد فيه استمرار محورية النفط فى منظومة الطاقة العالمية، مع الإشارة إلى قدرته العالية على التكيف مع الأزمات والتوترات الجيوسياسية، إذن يعد النفط جزءًا أساسيًا ومكملًا ضمن مزيج طاقة مستقبلى متطوّر ومتنوع؛ فالتحول الطاقوى لا يعنى نهاية عصر النفط.. نعرض من المقال ما يلى:
كشفت التطورات الجيوسياسية الأخيرة عن أن النفط لا يزال يمثل ركيزة أساسية فى منظومة الطاقة العالمية، رغم سنوات من الدعوات إلى تقليص الاعتماد عليه وتسريع التحول نحو الطاقة النظيفة. فقد أثبتت الأسواق أن تقلبات الأسعار ترتبط فى معظم الأحيان بالمخاطر السياسية والعسكرية أكثر من ارتباطها بوجود نقص فعلى فى الإمدادات، وهو ما أعاد تأكيد متانة البنية العالمية لصناعة النفط وقدرتها على التكيف مع الأزمات.
ويعزز هذا الواقع استمرار اكتشاف حقول جديدة، إلى جانب توسع عمليات الاستكشاف فى مناطق واعدة مثل القطب الشمالى، الأمر الذى يزيد من حجم الاحتياطات العالمية، ويؤكد أن الموارد النفطية ستظل متاحة لعقود مقبلة، حتى مع استمرار التحول التدريجى نحو مصادر الطاقة منخفضة الانبعاثات.
كما أظهرت أزمة مضيق هرمز أن وجود مخزونات تجارية واستراتيجية كبيرة، إلى جانب تنوع مصادر الإنتاج وشبكات النقل، مكّن الأسواق من الحد من آثار اضطرابات الملاحة، رغم أهمية المضيق الذى يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط العالمية.
فعلى سبيل المثال، صعود سعر النفط السريع من نحو 70 دولارًا إلى نحو 110 دولارات للبرميل لا علاقة له بشح الإمدادات النفطية. هذا، وقد التهبت الأحداث فى واحد من أهم الممرات العالمية لصناعة النفط (مضيق هرمز)، حيث يعبر يوميًا فى الاوقات الاعتيادية نحو 20 فى المائة أو ثلث النفط العالمى. لكن رغم العراقيل وتوقف الملاحة الذى أصاب «المضيق»، أصبح من الممكن تلبية الطلب فى عديد من الدول المستهلكة للبترول.
يكمن أحد الأسباب الرئيسية لإمكانية استمرار الصناعة والتعامل مع الأسواق العالمية رغم التشويش على الملاحة فى المضيق، أو توقفها، فى انتشار وتوسع منشآت التخزين التجارية لمعظم الشركات العالمية الكبرى، والتخزين الاستراتيجى للدول الصناعية الأعضاء فى وكالة الطاقة الدولية، حيث تطالب بأن يفى هذان المخزونان لعدة أشهر من الطلب المستقبلى للأقطار الأعضاء.
إلى جانب ذلك، أصبحت صناعة النفط العالمية اليوم أكثر تشابكًا وترابطًا من أى وقت مضى، وهو ما عزز قدرتها على التكيف مع الاضطرابات الجيوسياسية. فالصين، أكبر مستورد للنفط فى العالم، تعتمد بصورة رئيسية على إمدادات دول مجلس التعاون الخليجى والعراق وإيران، التى يمر جزء كبير منها عبر مضيق هرمز. ومع ذلك، واصلت الصين تلبية احتياجاتها النفطية خلال فترات التوتر، مستفيدةً من المخزونات التجارية والاستراتيجية، ومن النفط المخزن فى مراكز التخزين الخارجية التابعة لشركات النفط الوطنية الخليجية، فضلًا عن تنويع مصادر الاستيراد، بما فى ذلك الخامان الأمريكى والفنزويلى المنقولان عبر المحيط الهادئ.
وتستند بعض الدول كذلك إلى الطاقات المستدامة التى أنشأتها، الأمر الذى يقلص من استهلاكها النفطى.
ويُتوقع أن يواصل الطلب العالمى على الطاقة نموه خلال العقود المقبلة، مدفوعًا بالزيادة السكانية، وتحسن مستويات المعيشة، والتوسع الصناعى، لا سيما فى الاقتصادات الناشئة. ويستوجب هذا النمو المستمر زيادة الإنتاج لتلبية الطلب المتصاعد، بالتوازى مع مواصلة الاستثمار فى مصادر الطاقة المستدامة، بما يحقق توازنًا بين أمن الإمدادات ومتطلبات التحول الطاقوى.
كما أن أنماط الطلب على الطاقة تشهد تحولًا ملحوظًا مع ظهور قطاعات جديدة كثيفة الاستهلاك. فقد دفعت الطفرة فى تطبيقات الذكاء الاصطناعى شركات التكنولوجيا الكبرى إلى البحث عن مصادر كهرباء مستقرة ومنخفضة الانبعاثات، بما فى ذلك الاعتماد على المفاعلات النووية الصغيرة لتزويد مراكز البيانات بالطاقة. وفى الوقت نفسه، يواصل قطاع الكهرباء توسعه فى استخدام الطاقة الشمسية، التى أصبحت أحد أسرع مصادر الطاقة نموًا على مستوى العالم.
لذلك، لا يبدو مستقبل الطاقة قائمًا على استبدال مصدر واحد بالنفط، بل على مزيج متوازن يجمع بين النفط والغاز والطاقة النووية والمتجددة. فالتحول الطاقوى لا يعنى نهاية عصر النفط، وإنما إعادة صياغة دوره ضمن منظومة أكثر تنوعًا واستدامة.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved