متغيرات تستجد لترسم صورة عالم مختلف

جميل مطر
جميل مطر

آخر تحديث: الأربعاء 22 يوليه 2026 - 7:10 م بتوقيت القاهرة

أعيش اليوم حالة نادرة وعجيبة، فمن كل صوب تهب نسمة وتارة أخرى تهب زوبعة، كل منهما تحمل حزمة من الذكريات عن مرحلة أو أخرى من مراحل تكوينى الإنسانى والأكاديمى والسياسى. بحثت عن سبب لعله يخفف بعض العجب. لم يطل بحثى إذ وجدت السبب أمامى وأنا أراجع على شاشة جهازى مجمل ما ورد عليها مؤخرا من تطورات دولية وإقليمية ومصرية، ومن ملخصات ردود فعل لها وتعليقات وإضافات عليها. كانت هذه المراجعة هى الثانية المتأنية بعد القراءة الصباحية المبكرة، وعادة ما تكون سريعة وخاطفة.
• • •
قرأت فيما رأيت على الشاشة أن أمورا خطيرة استجدت وأمورا أخطر تستعد لتستجد. شىء ما جعلنى أتوقف عن القراءة وأغلق الجهاز وأنهض من مقعدى وأتوجه نحو ركنى المفضل فى غرفة مكتبى، وهو الركن المطل على شجرتى الأحب، شجرة البونسيانا، الشجرة التى تذكرنى ببعض أحلى سنوات عمرى، سنوات عشتها شابا مع شقيقاتها من الأشجار المنتصبات الباسقات جمالا وألوانا على جانبى الشارع الهادئ بحى المهندسين، ومع غصن تدلى منها حتى صار يدخل إلى غرفتى، نخرجه مع الليل ويعود من تلقاء نفسه مع بدء ساعات العمل فى صباح اليوم التالى.
• • •
نشطت الذاكرة وتدفقت الذكريات. اختلطت التطورات الأحدث التى كنت أقرأ عنها فى جهازى بتفاصيل تطورات شبيهة وإن ليست متطابقة كنت شاهدا عليها أو دارسا لها وممتحنا فيها. أذكر أننى كنت أستعد لامتحانات السنة النهائية فى كلية التجارة وكلى شغف وتطلع لسؤال فى العلاقات الدولية عن ثمار ومثالب نظام القطبين بالنسبة لنا فى مصر المتطلعة وقتذاك، أو المستجيبة لنداءات من الإقليم ومن خارجه، لتلعب أدوارا إيجابية فى السياسة الدولية.
• • •
مر عام وقرب نهايته، كنت أؤدى امتحانات التقدم للعمل بوزارة الخارجية، وفى صدارة الأسئلة سؤال كثير التردد عن المواقف الدولية من حرب السويس مركزا فى الإجابة على المواقف العربية وبخاصة مواقف شعوب وقادة الخليج والمغارب العربية، ومستفيضا فى شرح دور إسرائيل فى التحضير لحرب «دولية» تشنها بريطانيا العظمى وفرنسا ضد مصر وتنفذ إسرائيل دورا فيها يخدم حلم إقامة إسرائيل الكبرى، ومستفيضا فى شرح موقف أو مواقف القطبين الأعظم، الاتحاد السوفييتى والولايات المتحدة من الحرب. أذكر، بين ما أذكر من الأسئلة، سؤالا أجمع على توجيهه عدد من الممتحنين عن أسباب الأهمية القصوى التى تحظى بها قناة السويس كموصل مؤتمن بين الشرق والغرب والاتفاقات الدولية المتعلقة بهذا الشريان وحق مصر وواجباتها إزاءها. أذكر سؤالا آخر عن أسباب ودواعى النصر السياسى الذى حققناه.
• • •
بكلمات أخرى، كان العالم المعروف وقتذاك، وبخاصة الجزء العربى منه، يغلى فوق نار تطورات خطيرة استجدت خلال السنوات التى أعقبت الحرب العالمية. استجدت حرب فى كوريا لعبت فيها الصين دورا أساسيا، وشكلت الولايات المتحدة حلفا أطلسيا لردع الاتحاد السوفييتى عن التمدد غربا فى أوروبا وجنوبا فى البحار الدافئة، تحررت الهند من الاستعمار البريطانى وتولى الحكم فى الصين حزب شيوعى بعد أن حرر البلاد من احتلال قاس وإقطاع رهيب، وأقيمت دولة إسرائيل بدفع من المملكة المتحدة، وتفجرت طاقات هائلة فى العالم العربى وفى إفريقيا نتيجة تغيير نظام الحكم فى مصر وإعلان الجمهورية وتبنى سياسة خارجية نشطة وإن مكلفة، وتحررت شعوب عديدة من قيود الاستعمار واجتمعت حكوماتها فى باندونج لتحمى استقلالها وتواصل مهمة تحرير شعوب بقيت تحت سيطرة أو حكم الاستعمار.
• • •
أشحت بوجهى بعيدا عن الشاشة. لم يعد فى طاقتى ما يسمح بالاطلاع على تطور جديد ثم متابعته وأنا قلق وأحيانا متوتر. غريب على رجل فى مثل عمرى أن يقلق أو يتوتر. لا أبالغ ولن أغوص فى ذكريات لم يعشها أغلب من عرفت كما عشتها. لا أنكر أن عندى من الوقت، أصله وفائضه، ومن راحة البال، أصلها وفائضها، ما يسمح نظريا بأن أغوص مطولا فى مقارنات بين مستجدات تفرض نفسها على شاشتنا متلونة عناوينها بشتى الألوان المنبهة لعيوننا وبين مستجدات، كانت مثيلاتها فى وقتها تفرض نفسها على مسامعنا مزودة بأجراس تفتقر إلى النعومة يصدرها جهاز «التيكرز» المقيم فى غرفة القراءة والكتابة. لكنى لا أنكر فى الوقت ذاته أن نعمة، أو نقمة الفضول ما زالت تهيمن وتحرك وتداعب وتعاقب أكثر وأشد مما كانت تفعله أى فضيلة أو رزيلة أخرى!.
• • •
عدت إلى الشاشة لأرى قائمة بتطورات استجد بعضها خلال الليل المنصرم وتطورات تجمد بعضها عند مستوى معين، مستوى ما صار يعرف بالطبقة السياسية الجديدة، وتطورات مدانة بالزيف أو الكذب، أو بتأثير أمراض مثل الشعور بالعظمة الفادحة أو عبادة الذات أو الحق فى الألوهية، وهذا الأخير هو الأسوأ على الإطلاق، رأيت عناوين تطورات تدهورت بفعل السقوط فى مستنقعات الإبادة والاغتيال وتدمير المساكن والمستشفيات والمدارس، وتطورات استجدت لتسد خانة تسبب فيها تحول جذرى فى نوع ومحتوى الطبقة الاجتماعية الأعلى فى المجتمعات عامة والرأسمالية بخاصة. أسرد فيما يلى عناوين مفصلة لعدد قليل جدا ولكن خطير للغاية لبعض ما نشر صباح هذا اليوم والأيام اللاحقة حول تطورات استجدت مؤخرا وتستمر فى التطور:
أولا، معلومات عن ثروة أحد قادة ثورة التحول إلى عصر الوسائل الرقمية، ومناقشة لفلسفة هذا التحول وطبيعته والحجم المتصور لمتوسط الثروة الفردية والعائلية وحجم النفوذ السياسى الناتج عن تراكمات هذه الثروات، وتقديرات للآثار الناجمة عن التصنيف المبتكر حديثا لشكل المجتمعات وطبيعة الاستثمارات، وتفسيرات وراء التركيز على مشروعات فى الفضاء ووصولا إليه والتقاتل فيه. أتحدث هنا عن اقتصادات وسياسات ومعتقدات قادة طبقة «العصر التريليونى».
• • •
ثانيا، ليس أقل أهمية وخطورة ما يبث علينا هذه الأيام من معلومات عن مستجدات تقودنا إلى الظن بأن إسرائيل تواجه انحسارا مؤكدًا فى شعبيتها وبخاصة فى المجتمعات الأوروبية، وفى أمريكا ذاتها. ترامب نفسه، وهو الرجل الذى يتفاخر بأنه الرئيس الذى أعطى إسرائيل بعض ما كانت تحلم به ولم يحققه لها رئيس آخر، ألمح أكثر من مرة إلى هذا المستجد الخطير وغير المتوقع والخارج عن كل الحسابات السياسية والإعلامية لواشنطن ولندن وباريس. أعتقد، وآخرون كثيرون، أنه لم يكن يود أن يحدث هذا التطور. أعتقد أيضا أن كثيرين، وبخاصة قادة الأجهزة الأمنية، يحسبون الآن ألف حساب لما يمكن أن تفعله إسرائيل، ليس فقط لتستعيد مكانتها وهيبتها ومكانها فى معادلة الشرق الأوسط، ولكن أيضا فى معادلات الجماعات السيبرانية العالمية والصناعة الرقمية، وكذلك لاستعادة الأدوار السياسية والمالية المهيمنة على الأسواق وبشكل خاص على المجتمع «التريليونى» الجديد.
لا أظن أننى أبالغ، وبالتأكيد لن أكون مبالغا لو صرحت بأن رد فعل إسرائيل المتوقع لتدهور مكانتها وشعبيتها يرقى، أو يسقط، فى نظرى إلى حد اعتباره مسألة حياة أو موت ليس فقط بالنسبة لإسرائيل ولكن أيضا لدول أخرى فى الشرق الأوسط وربما فى أوروبا أيضا.
• • •
ثالثا، سمعت مؤخرا أن فى الصالونات يتحدث المثقفون همسا عما يطلقون عليه «الظاهرة الإيرانية». يتحدثون أيضا عن هذه الظاهرة باعتبارها متغيرا رئيسا فى صنع مستقبل المنطقة ومستقبل علاقات الدول المتوسطة بعالم الكبار. يركزون على العناصر التالية:
(1) حيازة السلاح النووى صنعا أو شراء صار خيارا أول.
(2) تجددت قاعدة فى صراعات الكبار مع الدول المتوسطة القوة والحجم خلاصتها أن لا انتصار يحققه الكبار فى نهاية نزاعاتهم بالدول المتوسطة ولا هزيمة تحيق بهذه الدول. الظاهرة الأوكرانية بدورها تعزز هذه القاعدة، تعززها أيضا عمليات قصف إيران مواقع فى الدول العربية المتحالفة مع أمريكا.
(3) إجراءات صنع شرق أوسط جديد، وتعدد خطوات انفراط دول عربية من داخلها، وإعلانات خبيثة أو تحت عناوين متهورة من نوع «نهاية التاريخ العربى»، اجتمعت تسابق خطوات انفراط النظام الإقليمى، أقصد القومى، العربى.
(4) واشنطن تعيد وبسرعة شحن مولدات الصراع القطبى بين الولايات المتحدة والصين، وأوروبا تراجع حساباتها.
• • •
إنه بحق لعالم مختلف مختلف مختلف.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved