معارك جديدة.. والعقيدة واحدة
من الفضاء الإلكتروني «مدونات»
آخر تحديث:
الأحد 20 سبتمبر 2026 - 5:55 م
بتوقيت القاهرة
نشرت مدونة ديوان الصادرة عن مركز مالكوم كير ــ كارنيجى للشرق الأوسط وبرنامج الشرق الأوسط مقالًا للكاتب ناثان ج. براون، يؤكد فيه أن الانتخابات الإسرائيلية المقبلة لن تُحدث تغييرًا جذريًا فى العقيدة الأمنية والاستراتيجية لإسرائيل التى تبلورت وشُدِّدت بعد أحداث 7 أكتوبر 2023؛ إذ يوجد توافق سياسى واسع يتجاوز شخص بنيامين نتنياهو على إعطاء الأولوية للسيطرة الأمنية والعسكرية، والتفوق المطلق، وحرية التصرف الميدانى («استراتيجية المنع» بدلًا من «الردع»)، وحرمان الفلسطينيين من سيادة حقيقية. بالتالى، فإن الخلافات بين الأحزاب الإسرائيلية تقتصر على طريقة وأسلوب إدارة هذه الهيمنة والتكتيكات الدبلوماسية المتبعة، وليس على مبدأ الهيمنة نفسه.. نعرض من المقال ما يلى:
من المستبعد أن تؤدّى الانتخابات الإسرائيلية المقبلة إلى قلب العقيدة الأمنية التى تبلورت منذ 7 أكتوبر 2023. لقد جادلتُ منذ فترة طويلة بأن مثل هذا التحوّل أوسع من رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو ولا يمكن اختزاله فى سياساته أو شخصيته. وبعد أن تحدّثت القيادات البديلة المحتملة فى إسرائيل باستفاضة أكبر عن توجّهات البلاد الأمنية المستقبلية، باتت الأدلّة على هذا الاستنتاج دامغة. والأخطر من ذلك أن النقاش الأمنى الإسرائيلى دخل طريقًا مسدودًا سيكون من الصعب للغاية الخروج منه.
تختلف القوى السياسية الإسرائيلية حول مدى الشدّة التى ينبغى ممارستها فى تطبيق هذه العقيدة، وحول حجم الأراضى التى ينبغى أن تحتفظ بها إسرائيل. وتختلف أيضًا حول ما إذا كان التطهير العرقى أولويةً أم احتمالًا أم حلمًا بعيد المنال، بيد أنها لا تختلف حول حرمان الفلسطينيين من إقامة دولةٍ فى المدى المنظور. وتتباين كثيرًا أيضًا فى الوزن الذى ينبغى إعطاؤه للدبلوماسية، لكنها لا تتباين حول إخضاع الدبلوماسية إلى تعريف إسرائيل الموسّع بشكل مذهل للأمن. كذلك، تختلف حول حجم الضرر الذى ألحقته إسرائيل بعلاقتها مع الولايات المتحدة، إلا أن هذا الاختلاف يتقلّص بشكل كبير عندما يتعلق الأمر بما هو مطلوب لضمان أمن إسرائيل: المواقع المتقدّمة، ومنع القدرات التى تشكّل تهديدًا لها، وحرية إسرائيل المطلقة فى تنفيذ عملٍ عسكرى.
فغادى آيزنكوت، الذى يولى الدبلوماسية اهتمامًا أكبر بكثير ممّا يوليه نتنياهو، سيستخدمها على نطاق أوسع فى سوريا ولبنان، لكنه سيُبقى مع ذلك على الجانب السورى من جبل الشيخ وعلى مناطق أمنية واسعة، محتفظًا بحقّ إسرائيل فى شنّ هجمات على ما تعتبره تهديداتٍ استراتيجية. أما نفتالى بينيت، رئيس الوزراء الإسرائيلى السابق، فيقارب المسألة من منظور يمينى أكثر، لكنه ينتهى إلى الأرضية الاستراتيجية نفسها تقريبًا. هو يشدّد أكثر من نتنياهو على الكفاءة فى إدارة شئون الدولة ورعاية التحالفات، لكن عقيدته الأمنية تحافظ صراحةً على حرية إسرائيل فى التصرّف فى غزة، وتقترح ضرب إيران ردًّا على هجمات حزب الله. وهكذا، يدور النقاش أكثر فأكثر حول كيفية ممارسة الهيمنة الإسرائيلية، وليس حول ما إذا كان ينبغى الحفاظ عليها أم لا.
وهنا تنقلب «عقيدة الأطراف» الإسرائيلية القديمة رأسًا على عقب على نحو غريبٍ لكنه لافت. فقد نشأت تلك الاستراتيجية فى ظلّ محيطٍ عربى معادٍ، ما دفع القادة الإسرائيليين للتطلّع إلى ما ورائه -أى إلى إيران ما قبل العام 1979، وتركيا، وإثيوبيا، وغيرها- بحثًا عن علاقاتٍ من شأنها أن تقلّل من عزلة إسرائيل. إذًا، كانت إسرائيل تقفز فوق أعدائها بحثًا عن أصدقاء. أما اليوم، فهى تفعل عكس ذلك تقريبًا، إذ تقفز فوق أصدقائها لمواجهة أعدائها.
هذا التحوّل ليس انتقالًا من المسار الدبلوماسى إلى استخدام القوة - فلطالما أدّى كلاهما دورًا. بل هو انتقالٌ من عقيدةٍ أمنية كانت فيها العلاقات السياسية قادرة على تغيير معنى القدرات العسكرية، إلى عقيدةٍ لم تَعُد فيها تلك العلاقات قادرة بشكلٍ موثوق على إخراج القدرات العسكرية من الحسابات الأمنية.
الردع هو ردٌّ على خصمٍ محتمل يمتلك قدرات خطيرة، ويهدف إلى حَمله على عدم استخدامها. أما المنع، فيتعامل مع حيازة هذه القدرات بحدّ ذاتها على أنها المشكلة. لذا، لا يمكن ببساطة ردع حزب الله عن إطلاق الصواريخ؛ بل ينبغى منعه من إعادة بناء قدراته، ويجوز احتلال المناطق التى قد يُعيد تنظيم صفوفه انطلاقًا منها، أو إخلاؤها من سكانها، أو منع السكان من العودة إليها. ولا يمكن ببساطة احتواء حماس؛ بل يجب تدمير قدراتها العسكرية والحكومية تدميرًا تامًّا ومنعها من إعادة بناء نفسها. ولا تحتاج القوات السورية إلى مهاجمة إسرائيل حتى تصبح أسلحة بعينها مصدر قلق أمنى إسرائيلي. كذلك، تكتسب المنظومات التركية فى سوريا أهمية لأنها قد تجعل العمل العسكرى الإسرائيلى هناك أكثر صعوبة.
يعود جزءٌ من السبب إلى منطق العقيدة الذى يعزّز نفسه، إذ يجعل من الصعب الاعتراف بإخفاقاتها على أنها إخفاقات، بل قد تثير تلك الإخفاقات دعوات إلى التمسّك بها بمزيد من الحدّة. فإذا تمكّن خصمٌ أُضعفت قدراته من إعادة بنائها، يكون الاستنتاج أن إضعافه لم يكن كافيًا. وإذا طوّرت دولةٌ مجاورة قدرات تقيّد العمل العسكرى الإسرائيلى، فقد يؤكّد ذلك خطورة السماح لمثل هذه القدرات بالظهور. وإذا أدّت العمليات العسكرية الإسرائيلية إلى نشوء عداءٍ جديد، قد يصبح هذا العداء نفسه دليلًا على وجود بيئةٍ مهدِّدة تستلزم اتّخاذ مزيد من الإجراءات. وبالتالى، يمكن لاستراتيجية تهدف إلى منع انعدام الأمن أن تسهم، فى الوقت نفسه، فى إعادة إنتاج التهديدات والحجج التى تُستخدم لمواصلة اتّباعها.
وبمجرّد تعريف الأمن بهذه الطريقة، لا يكون للنجاح نهاية واضحة. فالقدرات المدمَّرة يمكن أن يُعاد بناؤها، والدول الضعيفة يمكن أن تصبح أقوى، والحكومات يمكن أن تتغيّر، والحكومات الصديقة يمكن أن تطوّر مصالحها الخاصة، وقد يؤدى العمل العسكرى إلى ردود فعل تثير مخاوف أمنية جديدة. لذلك، فالتعامل مع تهديدٍ واحدِ لا ينهى المشكلة، بل يسلّط الضوء ببساطة على القدرة أو القيد التالى الذى قد يشكّل تهديدًا. ولا يفضى الفشل بالضرورة إلى إعادة النظر فى الاستراتيجية المُتبعة، بل قد يؤدى بالسهولة نفسها إلى المطالبة بالتصرّف فى وقت أبكر، وعلى مسافة أبعد، وبشكل أكثر حسمًا فى المرة المقبلة.
علاوةً على ذلك، يمكن للحروب التى تُخاض كحروب دفاعية أن تتحوّل إلى حروب غزو. ولا يستلزم ذلك أن يكون الغزو هو الهدف الأصلى، ولا حتى أن يكون ضمّ الأراضى هو الغاية المقصودة. لكن غزة أصبحت الآن مسرحًا لممرّات ومناطق أمنية غير محدّدة المدة، تصرّ إسرائيل على حرية التحرّك داخلها. وما بدأ فى لبنان كتوغّل عسكرى أصبح القادة الإسرائيليون يصفونه الآن بأنه منطقةٌ أمنية راسخة، مع ربط الانسحاب منها بمنع حزب الله من إعادة بناء قدراته. وأصبحت المواقع المؤقتة فى سوريا أصولًا أمنية، لأن التخلّى عنها يمكن أن يُعتبر مصدر ضعف محتملًا. وبالتالى يصبح الأمن مرتبطًا بفرض درجة معينة من السيطرة، لا على الهجمات الموجّهة ضدّ إسرائيل فحسب، بل أيضًا على الأراضى والمجال الجوى والقدرات العسكرية والخيارات المتاحة أمام الدول المجاورة.
تتحدّث بعض الشخصيات فى أوساط اليمين الإسرائيلى بصراحةٍ عن التوسّع الإقليمى، وتهجير الفلسطينيين، والتدمير الدائم للطموحات الوطنية الفلسطينية. ويرفض قسمٌ كبير من الوسطيين هذه اللغة وبعض هذه السياسات. لكن البديل الوسطى يحاكى جزءًا كبيرًا من البنية الاستراتيجية نفسها. فهو يَعِد باللجوء إلى الدبلوماسية بجدية أكبر، وتوطيد العلاقات مع الحلفاء بدلًا من إثارة عداوتهم، واستعادة الإدارة الفلسطينية حيثما كان ذلك مجديًا، وتحويل الإنجازات الميدانية إلى ترتيباتٍ يمكن للآخرين دعمها، لكنه يحتفظ تمامًا بالمناطق الأمنية، والمواقع الاستراتيجية، وحرية إسرائيل المطلقة فى التصرّف.
وما تقدّمه غالبية المعارضة، بهذا المعنى، هو غزو أكثر لطفًا ورفقًا. وهكذا، لا تعود الدبلوماسية بديلًا عن التفوّق العسكرى بقدر ما تصبح وسيلةً لتنظيمه.
النص الأصلى:
https://tinyurl.com/57djtzfe