هل من أهمية للعلوم الإنسانية؟

محمد رءوف حامد
محمد رءوف حامد

آخر تحديث: الخميس 18 يونيو 2026 - 7:15 م بتوقيت القاهرة

عندما وصلتنى دعوة لجنة الفلسفة والاجتماع وعلم النفس بالمجلس الأعلى للثقافة للمساهمة فى ندوتها «هل من أهمية للعلوم الإنسانية؟» (والتى عُقدت فى 14 مايو 2026)، أحسست بغرابة العنوان، خاصة مع إدراكى لمكانة العلوم الإنسانية فى كل مجالات ومستويات حياة البشر.


بالتوازى مع ذلك شعرت بالراحة لأسباب متنوعة، من أبرزها المكانة العلمية لشركاء اللقاء، الدكاترة مجدى عبدالحافظ، وأحمد زايد، وأنور مغيث، وسامية قدرى.


فى البداية انجذب انتباهى لحضور فاق التوقعات، ولنفور الحضور من أى هواجس تُفضى إلى تدنى أهمية العلوم الإنسانية.


وبالإعتبار لما قُدر لى من ممارسات ورؤى تتعلق بالعلوم الطبيعية، بينما هى تنبع من منصة العلوم الإنسانية، فقد اخترت لمساهمتى فى هذه الندوة أن تختص ببعض الممارسات التطويرية، فى تدريس الفارماكولوجى (علم الأدوية)، والتى لم يكن من الممكن أن أتوصل إليها دون السباحة فى بحور العلوم الإنسانية.


أما عن سر استعانتى فى تدريس الفارماكولوجى بالعلوم الإنسانية فيرجع بالذات إلى واقعتين.


جرت الواقعة الأولى فى بدايات الستينيات، أثناء التلمذة فى السعيدية الثانوية، بينما وقعت الثانية فى نهاية السبعينيات، عند ممارستى للتدريس فى كلية صيدلة جامعة طرابلس (الفاتح سابقا).

 

عندما ندمت أن كنت الأول على أقرانى:


فى السنة الأولى بالسعيدية انشغلت بأنشطة متنوعة، كمسئول رياضى للفصل، وممارسا للصحافة المدرسية، وهاويا للإلقاء المسرحى، فضلا عن حيوية القراءة فى المكتبة العامة، والتى كانت مجاورة لكرمة ابن هانىء، على شاطىء النيل.
فى ختام هذه السنة (1962/1963) فوجئت باختيارى (مع طالبين آخرين) كـ "شخصيات تعتز بها المدرسة".


بعدها، فى السنة الثانية تحولت لرغبة أن أصير الأول على الفصل، الأمر الذى أنجزته بجدارة فوق العادية.

غير أنه بعد أن صرت الأول حل بى الندم، باكتشافى قدر ما جنيته على نفسى بالابتعاد عن جماليات الأنشطة العامة، مما أنشأ داخلى نهما فى التعويض، خاصة بقراءات من خارج المقررات الدراسية.


اختصارا، مع التحاقى بكلية الصيدلة (جامعة الإسكندرية)، لم يكن شاغلى أن أكون الأول، وإنما الانفتاح على مدى عريض من الأنشطة، داخل الجامعة وخارجها، وصار معنى الحياة لدىّ يكمن فى "الحب" كقيمة إنسانية تُرَشِد التعاملات والأشياء.


صرتُ قياديا باللجنة الثقافية الفنية فى اتحادى الطلاب بكليتى العلوم والصيدلة. بعد عامين، ومع إدراكاتى لممارسات سلبية كانت محيطة ببعض الأنشطة، قررت الامتناع عن الترشح فى اتحاد الطلبة، مما مثّل مفاجئة لزملائى. كل ذلك تحت مظلة الإلتزام بالحب كقيمة، الأمر الذى انعكس، على نهجى فى التعامل مع المحاضرات.
لقد امتنعت عن حضور المحاضرات التى تعتمد على الإملاء وليس الشرح، وكنت أستاء من الحصص المعملية التى تتحول فيها التجارب إلى تحصيل حاصل (روتينى) لشرح مقتضب فى بداية الحصة.


اكتشاف المسكوت عنه فى التدريس الجامعى:


هكذا خلفيات هيمَنت على تفكيرى عندما تحول عام 1978 إلى عضو هيئة تدريس فى جامعة الفاتح. ونظرا لاقتصار خبراتى على البحث العلمى لجأت إلى أستاذ مصرى كبير لأسأله النصح.


وبرغم الإتباع الدقيق لنصائح الأستاذ الكبير، فإننى اكتشفت مع نهاية محاضرتى الأولى أن نصف الطلاب كان قد تسرب إلى خارج القاعة. بعدها، عندما علم الأستاذ الكبير بما حدث فاجأنى بسؤال: هل سجلت الحضور والغياب فى البداية؟ وعندما أجبته بالنفى، صُدمت بقوله: لو كنت أخذت الغياب لاستمروا فى التواجد حتى النهاية.


هنا اكتشفت واجبى الحقيقى، ألا أكرر مع طلابى الأخطاء التدريسية التى نفرت منها عندما كنت طالبًا.


وعليه، أوقفت محاضراتى لإسبوعين، وانطلقت لدراسة الأسس العلمية للعملية التدريسية. ذهبت إلى مكتبة كلية التربية، واستعرت 18 كتابًا، باللغتين العربية والإنجليزية، فى مجالات علم النفس التربوى والتخطيط التربوى وأصول التربية.. إلخ.


فى ختام الأسبوعين أصبحت إنسانًا مختلفًا. لقد أدركت وجود فارق جسيم بين التعليم والتعُلم، وأن مهمة العملية التعليمية تتمركز فى التعُلم وليس الاستظهار.


تلقائيًا، نشأ عند العبدلله مفهومًا خاصًا، وهو أن طالب الجامعة يُعد شريكًا للأستاذ، وليس تابعا له. لقد أدى بى ذلك إلى بناء دستورًا ذاتيًا، فى التعامل مع الطلاب، يقوم على تنمية تكافؤ حقيقى بين الطالب والأستاذ بشأن قيم وممارسات «الحرية والمسئولية»، مما قادنى لاحقًا إلى إلقاء محاضرة عامة فى مسرح الجامعة بعنوان: «الموازنة بين الحرية والمسئولية عند طلاب وأساتذة الجامعة».


تطبيقيًا، صغت «الأهداف الجزئية» المبدأية للعملية التعليمية كالتالى:


• ابتكار آليات لتمكين الطالب من التعلم.
• تخلى الأستاذ عن «الأستذة الشكلية»، بمعنى تجنب التعامل مع الطلاب من علٍ.
• جعل المحاضرات الأولى حوارية بشأن المقرر ككل، وحتى ترتفع قدرة الطلاب على إدراك أبعاد المقرر وفلسفته.


تضاريس التحول:


وهكذا، توالى إحداث عديد من التغييرات، نكتفى هنا بالإشارة إلى ثلاثة منها.


أولًا: الامتحان كآلية عظمى للتغيير


هنا، جرى تحويل الامتحان من وسيلة للاستظهار إلى مساحة للإبداع.


فى هذا الأمر، كان تفهم الطلاب، من خلال المناقشة معهم، وقبولهم لطريقة الامتحان، أمرًا أساسيًا.


لقد تضمنت الطرق التى جرى تطبيقها ما يلى:


1) امتحان الكتاب المفتوح، وفيه يصطحب الطالب معه كراس المحاضرات، وكتابًا مرجعيًا.


2) الامتحان المنزلى، حيث يستكمل الطالب الإجابة فى المنزل على أن يأتى بها مكتملة فى اليوم التالى.


3) اعتماد الدرجة النهائية للطالب على محصلة كل من جهده الفردى وجهد المجموعة التى ينتمى إليها. لقد مثّلت هذه الطريقة إبداعًا عالميًا خالصًا، حيث لم يسبق ذكرها من قبل، وأطلقتُ عليها فى حواراتى مع الأجانب Group-dependent marking.
فى هذه الطريقة، وقبل الامتحان بفترة مناسبة، يجرى تصنيف الطلاب إلى مجموعات متكافئة (أو متقاربة) مهاريًا وسلوكيًا وجندريًا، وذلك برضا الطلاب أنفسهم. وفى الحالة التى تناولناها بالفعل كان مجمل عدد الطلاب 40، وجرى تصنيفهم إلى أربع مجموعات.


وعن الدرجة التى تمنح للطالب فتتكون من مجموع كل من الدرجة التى يحصل عليها بنفسه، وحدّها الأعلى 80/100، والدرجة التى تحصل عليها المجموعة التى ينتمى إليها، وحدّها الأعلى 20/100.


طبقًا لذلك، إذا حصل الطالب المتفوق فرديا على 80/80، بينما كانت درجة المجموعة التى ينتمى إليها 5/20، فإن درجته الكلية تصير 85/100. ذلك بينما قد يكون له زميل فى مجموعة أخرى حقق 75/80، بينما حصلت المجموعة التى ينتمى إليها على 20/20، فتكون درجته الكلية 95/100.


4) امتحان قاعة المكتبة. هنا، يكون لكل طالب سؤالا منفردا خاصا به. هكذا امتحان يستهدف تنمية إمكانات التنقيب المعلوماتى وحل المشكلات.


ثانيا: الأنشطة المساعدة فى تطوير العملية التعليمية


كأمثلة، تضمنت هذه الأنشطة:


• سيمينار علمى يديره الطلاب بأنفسهم.


• تشارك الطلاب فى إصدار مجلة، فى علم الأدوية، تحفل بمواهبهم واهتماماتهم.


• ذهاب الجميع معا، الأستاذ والطلاب، احتفاء بنجاح الأنشطة، إلى شاطىء البحر فى طرابلس.


• دعوة أستاذ بريطانى، لأن يلقى على الطلاب محاضرة عن بحثه الخاص بالفارق بين «الحاجة» و«الرغبة»، والذى كان قد ألقاه فى مؤتمر دولى للفلسفة عُقد فى طرابلس، وكان قد حضره الأستاذ.


تداعيات إيجابية كبرى لم تكن فى الحسبان:


يمكن القول بأن منصة العلوم الإنسانية التى كانت قد حركت الأستاذ فى اتجاه تطوير العملية التعليمية قد انعكست على الطلاب بقدرات جديدة تمامًا، ومن أمثلتها:


• مناداتهم بأن لا يقوم الأستاذ بالإجازة الصيفية، وأن يبقى معهم لتدريبهم على البحث العلمى، الأمر الذى جرى بالفعل، وبمنهجية تطويرية، وقاد للتوصل إلى نتائج بحثية دوائية تضيف معرفة علمية لم يكن لها وجود فى العالم من قبل، بينما هى تنبع من احتياجات ليبية. لقد عرضت هذه البحوث فى مؤتمرات دولية (فى اليابان والنمسا وسويسرا)، وجرى تضمينها فى فاعلية علمية جرت فى مقر اليونسكو (2009)، كنموذج عالمى للإسهامات العربية المعاصرة، والتى صدرت وقائعها فى كتاب صادر عن (Cambridg scholars)، جرت ترجمته لاحقًا فى مكتبة الإسكندرية (الإسهامات العربية المعاصرة فى الثقافة العالمية - 2020).


• خروجهم، بإرادتهم، عن عادة إيقاف الدراسة يوم إجراء الانتخابات الطلابية، حيث لم يطبقوا ذلك على محاضرتهم مع العبدلله فى علم الدواء.


• تصديهم، بجهد علنى/منظومى، لحماية التطويرات التى جرت مما صادفها من هجوم بعض الأساتذة المحليين عليها.


• ظهور تصور، لدى طلاب مستجدين، لم يكونوا قد حضروا مقررات للأستاذ بعد، بعدم معقولية ما كان قد نُقل إليهم عن تطورات العملية التعليمية، بينه وطلابه. لقد قام بعض هؤلاء الطلاب بتحدى الأستاذ فى هذا الشأن، وهو أمر سعد به الأستاذ، وشجعه، وأشار إليه تفصيليًا فى مقدمة كتابه المعنون «التفكير العلمى» (دار المعارف - 2006).


ختامًا، ببوصلة العلوم الإنسانية تطورت العملية التعليمية فى الفارماكولوجى وجرى وصلها بالعملية البحثية.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved