المفتى فى حوار بالإسكندرية

سامح فوزي
سامح فوزي

آخر تحديث: الثلاثاء 14 يوليه 2026 - 6:15 م بتوقيت القاهرة

لفت نظرى أمرين فى لقاء فضيلة المفتى الدكتور نظير عياد فى مكتبة الإسكندرية: الأول سعيه لتحقيق الانسجام بين الدين والثقافة، دون مواجهة أو خصومة بينهما، والثانى انطلاقه فى الحديث فى بعض الأحيان عن التدين بمعناه المطلق، الإسلامى والمسيحى، ورغبته فى تكثيف العمل المشترك مع المؤسسات الدينية المسيحية. حديث ثرى امتد لنحو ساعتين، شاركه فيه المهندس أيمن عطية، محافظ الإسكندرية، والدكتور أحمد زايد، مدير مكتبة الإسكندرية، وأدار اللقاء المستشار الدكتور محمد الدمرداش العقالى، نائب رئيس مجلس الدولة صاحب الإنتاج الثقافى البارز.

انطلق المفتى فى حديثه من نظرة تكامل وتعاون بين الدين والثقافة، فقد اعتبر أن المثقف ينبغى أن يصيب ألوانًا من المعرفة، من بينها الثقافة الدينية، وإن عالم الدين ينبغى كذلك أن يكون ملمًا بالعلوم والفنون، والفلسفة والاجتماع، لا سيما الذين يعملون فى حقل الإفتاء آخذين فى الاعتبار ظروف الزمان والمكان، ويسألون قبل الإفتاء أهل الاختصاص، مثلما يحدث فى القضايا الطبية. وما دام لا يوجد تعارض بين الثقافة والدين، ولا استعلاء متبادلًا  بين المثقف وعالم الدين، فإن كلا المجالين قد يعانيان من التطرف، سواء تطرف ذات طبيعة دينية، أو تطرف ذات طبيعية مادية. وفى رأيه أن العالم يمر بتقلبات حادة، ما يستوجب الشراكة بين المثقف وعالم الدين، وكلاهما من أهل العلم، وبين المؤسسات الإسلامية والمؤسسات المسيحية، لأن التحديات الأخلاقية والإنسانية والاجتماعية صارت ضاغطة على مفاصل المجتمعات، خاصة فى ظل التوسع فى تطبيقات الذكاء الاصطناعى، ولا بديل من التعاون للتصدى لها.

فى تقديرى أن الدكتور نظير عياد، يمضى على النهج الذى تحدث عنه منذ أصبح مفتيًا للجمهورية، حيث تقيم دار الإفتاء مؤتمرات دولية، تشارك فيها دور الإفتاء على مستوى العالم، ونجد بين الحضور مثقفين وأكاديميين، وشخصيات مسيحية من خلفيات متعددة، تشارك فى النقاش، وهو ما يحدث كذلك فى المؤتمرات التى يدعو إليها الأزهر، وتحرص من جانب آخر المؤسسات المسيحية على الأمر ذاته، من خلال دعوة شخصيات إسلامية فى فاعلياتها، ويجسد ذلك حالة حوار ثقافى نتطلع إليها دائمًا فى المجتمع، وتستعد دار الإفتاء لعقد مؤتمر موسع قريبًا حول الأسرة، لمناقشة ما يموج به المجتمع من تحديات، ويمثل ذلك محطة التقاء مهمة فى العمل المشترك، خاصة فى ظل وجود رياح عاتية لتغيير مفهوم الأسرة.

وإلى جانب حديث المفتى المتدفق، لفت انتباهى الحديث المقتضب لمحافظ الإسكندرية المهندس أيمن عطية، الذى لم يعده سلفًا، ولم يقرأ من ورقة، وانطلق فيه من وعى ثقافى عميق عن الإسكندرية، متعددة الثقافات والحضارات، فهى مركز تفاعل الحضارات قديمًا، وهى التى احتضنت أقدم كنيسة فى مصر، بل وفى إفريقيا كلها، ومر بها أولياء الله الصالحين، وسميت مناطق بأسمائهم، فضلًا عن أن هناك معبدين يهوديين بها، يشهدان على تلك التعددية التى تتسم بها مدينة الإسكندرية، وهى نظرة عميقة، تصدر عن محافظ ليس تخصصه العلوم الاجتماعية، أو التاريخ، بل هو مهندس أدرك من عمارة المدينة طابعها الحضارى والتعددى.

وقد أعطى المستشار الدكتور محمد الدمرداش العقالى رونقًا خاصًا لإدارة الندوة، فهو مثقف يتحدث بلغة ثقافية رفيعة، يمتلك فيها ناصية اللغة العربية بنكهة تراثية بديعة، وفى الوقت نفسه هو رجل قانون، يستخدم مصطلحات قانونية، وفقهية، بعمق، لا نعهده فى كثيرين فى الوقت الراهن. وحضر علم الاجتماع فى حديث الدكتور أحمد زايد، الذى له باع فى دراسة الظاهرة الدينية فى المجتمع من مناح شتى.

حوار ثرى، دار فى رحاب معرض مكتبة الإسكندرية للكتاب فى دورته الحادية والعشرين، ولعل ذلك يكشف أهمية اللقاءات العامة بوصفها رئة ثقافية يحتاج إليها الجمهور العام، فى مواجهة حالة التشوش والاضطراب الفكرى التى تضرب فى جوانب المجتمع.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved