لقد قمنا بعسكرة الإرهاب اليهودى
من الصحافة الإسرائيلية
آخر تحديث:
السبت 13 يونيو 2026 - 7:10 م
بتوقيت القاهرة
كشف تحقيق برنامج «زمن حقيقى» الذى بُث هذا الأسبوع على قناة «كان 11» صورة قاتمة بشأن مستقبل ظاهرة وحدات الدفاع المحلية فى الضفة الغربية. فهذه الظاهرة تُدخل فى الجيش الإسرائيلى منطق الميليشيات، وتُضعف سلطة الجيش والشرطة الهشة أصلًا، وتعمّق العزلة الدولية، وتشجع على وقوع المجزرة القادمة.
منذ بداية الحرب، امتلأت وسائل الإعلام المحلية والعالمية بتوثيقات وتقارير عن أفراد من هذه الوحدات فى الضفة الغربية، وهم يهددون غير المسلحين والعزّل، سواء أكانوا إسرائيليين أم فلسطينيين، ويدهسون مصلين على جوانب الطرق أو يقفون متفرجين بينما تقع أعمال عنف وإرهاب أمام أعينهم.
إن ظاهرة هذه الوحدات تمثل عمليًا إدخال الإرهاب اليهودى داخل الجيش الإسرائيلى؛ أى إلباسه الزى العسكرى، وتسليحه، ومنحه غطاءً قانونيًا لأفعاله. وهذا يشكل نقطة تحوُل فارقة فى قصة الجيش الإسرائيلى ودولة إسرائيل؛ فالجيش قد يدين أحيانًا أعمال الإرهاب التى يرتكبها أفراد هذه الوحدات، لكنه فى الوقت عينه هو الذى يمولهم، ويدرّبهم، ويسمح باستمرار نشاطهم، وهنا يُطرح السؤال: ماذا يعنى ذلك؟
منذ حرب الاستقلال، سعت القيادة الإسرائيلية إلى نبذ - وأحيانًا قمع - الأفعال التى خرجت عن مفهوم «طهارة السلاح» الذى تبنَّاه الجيش؛ فقد أصبحت قضية دير ياسين رمزًا لما أراد المجتمع اليهودى المنظم آنذاك أن يتبرأ منه، وكذلك اغتيال وسيط الأمم المتحدة الكونت فولك برنادوت والضابط الفرنسى فى الأمم المتحدة أندريه سيرو على يد عناصر من منظمة «ليحى». وقد أدت هذه الأحداث إلى اتخاذ إجراءات صارمة ضد التنظيم، ونبذ أفراده، وإعلان المنظمة تنظيمًا إرهابيًا.
والخطر الرئيسى الذى أدركه قادة الحركة الصهيونية لم يكن أخلاقيًا فى الدرجة الأولى بل أمنيًا واستراتيجيًا؛ فالعامل الحاسم الذى دفعهم إلى ترسيخ قيم الانضباط فى الجيش كان إدراكهم أن إسرائيل تحتاج، كجزء من عقيدتها الأمنية، إلى جيش واحد محترف ومنضبط، لا يخضع لمن يحملون السلاح ويعملون وفق أجندات خاصة.
ومن المفهوم أن الإرهاب اليهودى يشكل، أولًا وقبل كل شيء، اعتداءً غير أخلاقى على ضحايا أبرياء، لكنه أيضًا يكشف ضعف الانضباط داخل الجيش، وينذر بسقوط هذا الجيش القوى فى أيدى ميليشيات تتصرف كما تشاء. وتقود هذه الظاهرة نحو الكارثة المقبلة؛ إذ إن العنف الإجرامى يُقَابَلُ بعنف إجرامى مضاد، وتؤدى أعمال الانتقام إلى دوامة من الانتقام المتبادل.
بالإضافة إلى ذلك، فإن استمرار هذه الظاهرة سيؤدى فى أى جولة حرب مستقبلية إلى عزلة دولية أشد وأعمق، تشمل أوامر اعتقال وعقوبات وقيودًا اقتصادية وحظرًا على توريد الأسلحة، باعتبارها جزءًا من الثمن الذى ستدفعه إسرائيل، لأنها بدلًا من اقتلاع الإرهاب اليهودى من داخلها، فقد قامت بعسكرته وتسليحه.
لا توجد حلول سحرية تحظى بإجماع إسرائيلى لمشكلة وحدات الدفاع المحلية والإرهاب اليهودى، فكل خطوة لمعالجة هذه المشكلة تتطلب من الجيش التحلى بالشجاعة وتقديم توصيات مهنية إلى القيادة السياسية بإخلاء البؤر الاستيطانية العنيفة، والوقوف بحزم فى وجه من يسعون لتسليح الميليشيات كسياسة معلنة، بمن فيهم وزراء فى الحكومة قد يعارضون هذه الخطوات بعنف، بالإضافة إلى اتخاذ إجراءات جنائية وتأديبية صارمة، والتعامل مع كل حادثة إرهابية كفرصة للتنديد بمن كانوا مستعدين لتلويث أخلاقيات الجيش الإسرائيلى وجرّ إسرائيل بأكملها إلى الهاوية معهم.
طوم بنحاسى
هآارتس
مؤسسة الدراسات الفلسطينية