ميزان الحكومة الانتقالية
محمود القيسونى
آخر تحديث:
الجمعة 11 أبريل 2014 - 8:44 ص
بتوقيت القاهرة
منذ ستة شهور تسربت معلومات مفادها أن مسئولين فى الحكومة يدرسون طلب عدد من رجال صناعة الإسمنت التحول من اعتماد مصانعهم على الغاز وخليط من المخلفات فى توليد الطاقة اللازمة للتشغيل إلى الفحم، وللوهلة الأولى أعتقد من بلغهم هذه المعلومات أنها مجرد شائعات خبيثة لا أكثر ولا أقل هدفها مضاعفة الهموم الملقاة على جسد هذا الوطن المنهك نظرا لأن مجرد التفكير فى هذا الأمر يعد شيئا غير مقبول ويناقض تماما قوانين البيئة لتوابعه السلبية الكارثية على بيئة الوطن.
لكن للأسف وبالتدريج تحول الأمر إلى حقيقة وواقع فتضاعفت الأخبار والمعلومات لتؤكد أن مسئولين بمجلس الوزراء اقتنعوا بالطلب متعللين بنقص الغاز والأزمة الاقتصادية الطاحنة بمصر، فقرروا مساندته بل والعمل على تحقيقه باستيراد خام الفحم والاعتماد عليه فى توليد طاقة مصانع الإسمنت. وتطور الأمر بعد ذلك لتؤكد إحدى شركات الأسمنت أن سعيها لهذا التحول أمر واقع لا مفر منه سواء رضيت أجهزة الدولة أو رفضت، فقامت فى تحدٍ صارخ لسيادة وقوانين الدولة باستيراد شحنة ضخمة من تراب الفحم دون أى موافقات أو تراخيص وألقته على أرصفة ميناء الدخيلة غرب الإسكندرية فى الهواء الطلق والتى كانت النوات الموسمية تضربها بعنف فتتطاير ذرات الفحم البالغة الدقة لتبلغ الأحياء السكنية وهو ما تنبهت له وزارة البيئة وأجهزتها ووزارة السياحة وكامل النشاطات التابعة لها والجمعيات الأهلية وخبراء البيئة، فتحرك الجميع لمواجهة هذه الكارثة فتم إثبات المخالفة وتسجيل المحاضر، وهى إجراءات قانونية استخفت بها مصانع الإسمنت طوال السنين الماضية، والسجلات المسجل بها مخالفاتها مكتظة لا ثقل لها لأن أجهزة البيئة سلطاتها التفتيش وضبط وتسجيل محاضر المخالفات فقط لتتولى الأجهزة المحلية تطبيق القانون بغلق المصانع المخالفة، وهذا لم يحدث ولن يحدث لأن الأجهزة المحلية تخشى الإضرابات والوقفات والحملات الإعلامية وتوابعها وهو ما منح هذه المصانع ثقل ونفوذ وقوة غير مسبوقة، هذا بالإضافة للدعم والامتيازات التى تمنحها الحكومة لها مما أدى إلى تحقيقها مكاسب خيالية لم تحقق مثلها فى أى دولة فى العالم فتحرك الجميع لمواجهة هذا الخطر.
•••
وتم تجميع المعلومات العلمية المؤكدة والمعترف بها دوليا من منظمات وهيئات وأجهزة تابعة للأمم المتحدة ومؤسسات علمية محترمة تؤكد وتثبت من وقائع عملية وتجارب خطورة الاعتماد على الفحم لتوابعه الفتاكة والمميتة على الإنسان وكل عناصر البيئة من هواء وماء عذب وحياة بحرية وتربة وكامل التنوع الحياتى، أبسطها قدرة الأدخنة الناتجة من استخدامه على نقل السموم الفتاكة لمسافات تتعدى الألف كيلومتر.
وكلما اجتمعت الأطراف المعنية من الجانبين للمناقشة انفعل المدافعون عن الأسمنت وخرجوا عن نطاق آداب الحوار مما أدى إلى فض الاجتماع وانسحاب المدافعين عن البيئة لعدم جدوى النقاش، كما اشتعلت المناقشات بمجلس الوزراء وهو ما أدى إلى إعلان الحكومة إعطاء وزارة البيئة مهلة أسبوعين لتقديم دراسة علمية وافية عن سلبيات استخدام الفحم فى توليد طاقة المصانع. تبع ذلك وفورا فى سابقة لم تحدث من أى حكومة سابقة تصريحات مناقضة من مسئولين بذات الحكومة الانتقالية تؤكد الموافقة على استخدام الفحم وأنه لا مفر من ذلك، مما أثار ارتباك وبلبلة إعلامية علنية غير مسبوقة. وهو ما وضع الحكومة فى موقف يجبرها الاختيار بين كفتين، كفة تمثل حوالى خمسة وعشرين مصنع أسمنت ممنوحة لهم منذ سنين طولية تسهيلات وامتيازات ودعم لا مثيل له فى العالم يحققون بسببها مكاسب فلكية يعمل بها عدة آلاف من العمال يضاف لهم ظروف مصر الاقتصادية الطاحنة ونقص الطاقة، وكف يمثل شعب مصر المنهك الخمسة وثمانين مليونا وحقهم فى بيئة صحية نقية والتزام الحكومة بتوابع وتكاليف الرعاية الصحية والتى ستتضاعف عشرات المرات بالإضافة للظروف المناخية كالعاصفة المؤكدة علميا والتى سنواجهها خلال الربع الأول من القرن الحالى. وصناعة السياحة والتى تحقق دخل قومى رئيسى باعتمادها على البيئة المميزة من بحار وسواحل ونهر وصحارى تشكل عنصر الجذب السياحى المستدام واستثماراتها الهائلة، وثقل الاتفاقيات والمعاهدات الدولية التى وقعتها مصر تلتزم فيها بحماية بيئتها مقابل التزام دول العالم الغنية المانحة بمساندة ودعم مصر حيال مواجهة التوابع الكارثية للتغيرات المناخية والتى ستضرب مصر خلال العشر سنوات القادمة.
مما سيؤدى إلى غرق الدلتا وإجبار الحكومة تهجير حوالى ستة ملايين مواطن للجنوب وتوابع ذلك البالغة التكاليف مع دخول مصر التدريجى فى نطاق الفقر المائى وهى كوارث ستساعدنا دول العالم الغنية على مواجهتها بالدعم المادى والفنى لو التزمنا بالاتفاقيات والمعاهدات الدولية التى وقعناها والخاصة بحماية بيئتنا.
•••
للأسف كل المؤشرات تشير إلى اختيار الحكومة الانتقالية للكفة الأولى أى صناعة الاسمنت باستخدام خام الفحم أخطر ملوث للبيئة مع تجميل القرار بإضافة انه سيتم الالتزام الصارم بقوانين واشتراطات البيئة وهى إضافة لا ثقل لها لأنها لن تحترم وحتى لو طبقت فتوابع استخدام الفحم كارثية لا علاج لها وهذه حقيقة علمية مؤكدة اعترفت بها دول العالم مما دفعها منذ سنين تقليص الاعتماد عليه لتتوقف تماما خلال ثلاث سنوات من الآن