المشهد السياسى الداخلى الإيرانى وسيناريوهات ما بعد الحرب

وليد محمود عبد الناصر
وليد محمود عبد الناصر

آخر تحديث: الأربعاء 10 يونيو 2026 - 7:25 م بتوقيت القاهرة

السيناريو الرابع: الأفول التدريجى للنموذج وللنظام

 

تناولنا فى المقالات الثلاثة الماضية المنشورة فى جريدة الشروق الغراء أيام الخميس 21 و28 مايو و4 يونيو 2026، ثلاثة سيناريوهات محتملة لتطورات المشهد السياسى الداخلى الإيرانى فى فترة ما بعد انتهاء الحرب الأمريكية الإسرائيلية الحالية ضد إيران، ونتناول فى هذا المقال السيناريو الرابع والأخير الذى نقدر أنه ربما قد تؤول إليه حال النظام السياسى الإيرانى فى أعقاب الحرب الجارية، مع الأخذ فى عين الاعتبار أمرين هامين.

أولهما فهو أن السيناريوهات الأربعة التى عرضنا ونعرض لها بالتحليل وتقدير فرص واحتمالات تحققها على أرض الواقع تستند فى المقام الأول إلى فرضية أساسية نرتكز عليها منذ تناولنا السيناريو الأول وهى أن الحرب الأمريكية الإسرائيلية الجارية ضد إيران لن تؤدى فى نهاية المطاف إلى إسقاط الحكم القائم فى طهران وتغييره من الخارج، وذلك لاعتبارات تتصل بمعارضة قطاعات واسعة من الشعب الإيرانى وقواه السياسية، بما فيها قوى معارضة للحكم القائم فى طهران، لفكرة قيام دول أجنبية، دولية أو إقليمية، بفرض نظام سياسى جديد على الشعب الإيرانى يخدم فى الأساس مصالح تلك الدول ولا يلتفت إلى مصالح الشعب الإيرانى، وبالتالى ضعف ومحدودية الظهير الجماهيرى فى الداخل الإيرانى لمثل هذا التغيير السياسى المفروض من الخارج، وكذلك تتصل بأنه قد لا تكون هناك القدرة، بل وربما أيضًا الرغبة، لدى الطرفين الأجنبيين فى واشنطن وتل أبيب فى الذهاب إلى أبعد مدى ممكن فى مسألة الدفع نحو تغيير نظام الحكم الإيرانى من الخارج، بما فى ذلك القيام بعملية غزو برى واسعة النطاق سوف يترتب عليها بالتأكيد خسائر بشرية ضخمة لدى الأطراف المهاجمة يصعب تحملها منهما، بالإضافة إلى غياب الاستعداد لدى أى من الدول المجاورة مباشرة لإيران بأن تقبل بأن تكون أى منها نقطة انطلاق لمثل ذلك الغزو البرى واسع النطاق، وأخيرًا عدم جاذبية نماذج ما حدث من نتائج على الأرض فى دول أخرى فى المنطقة تغيرت نظمها السياسية بفعل التدخل العسكرى المباشر من قبل أطراف خارجية، خاصة منذ بداية الألفية الثالثة.

وأما ثانى هذه الأمور التى استند إليه تحليلنا فهو أنه يوجد عدد لا محدود من السيناريوهات الممكن حدوثها، سواء نظريًا أو عمليًا، بشأن مستقبل النظام السياسى الإيرانى عقب انتهاء الحرب الحالية، وأننا لا ندعى القيام باستنفاذ كل هذه الاحتمالات والسيناريوهات، ولكننا نتناول الأقرب منها للتحقق على أرض الواقع طبقًا لأسس تحليلنا، وبما لا ينفى وجود احتمالات أخرى، وبالتالى اقتصرنا فى عرضنا وتحليلنا فى المقالات الثلاث السابقة وفى هذا المقال على تناول أربع سيناريوهات فقط.

والسيناريو الرابع، وهو آخر السيناريوهات التى سوف نتناولها فيما يتعلق بمستقبل النظام السياسى الإيرانى بعد الحرب الأمريكية الإسرائيلية الحالية على إيران، هو ذلك المتعلق بالأفول، ولو تدريجيًا، للنظام السياسى الإيرانى القائم، ومعه أفول النموذج الفكرى والمؤسسى الذى يمثله، وهو سيناريو ترتبط فرص تحققه بعدد من العوامل الداخلية والخارجية واتجاه حركتها فى ضوء الحرب الجارية ونتائجها.

وبداية يتعين علينا توضيح أن بعض المراقبين والمحللين السياسيين يطلقون على هذا السيناريو تعبير «السيناريو السوفيتى»، فى إشارة منهم إلى أوجه الشبه بينه وبين ما تحقق للنظام وللنموذج السوفيتيين تدريجيًا وانتهى بالأفول النهائى وزوال النظام والنموذج معًا فى عام 1991، بالرغم من اختلاف هؤلاء على تاريخ بدء مثل هذا الأفول، بين من يرى أنه بدأ بالغزو من جانب الاتحاد السوفيتى السابق ودول حلف وارسو لتشيكوسلوفاكيا فى أعقاب «ربيع براغ» فى عام 1968، والبعض الآخر يؤرخ له ببدء سياسة «الوفاق» أو «الانفراج» بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتى السابق فى عام 1972، والبعض الثالث يؤرخ له بالدخول/ الغزو العسكرى السوفيتى إلى أفغانستان فى نهايات عام 1978، والبعض الرابع يؤرخ له باندلاع حركة «تضامن» العمالية المستقلة فى بولندا فى صيف عام 1980، بينما البعض الخامس يبتعد تمامًا بهذا الأفول عن الأسباب المتعلقة بالسياسة الخارجية ويركز على ما أصاب النموذج والدولة السوفيتيين بشكل متزايد منذ النصف الثانى من عقد السبعينيات من القرن العشرين بشكل عام، وعلى الأصعدة الفكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعلمية والتكنولوجية على حد سواء، من حالة جمود ثم حالة شيخوخة ارتبطت كثيرًا بشيخوخة القيادة السوفيتية الثلاثية (الترويكا) التى كانت قد أطاحت بالزعيم السوفيتى الراحل «خروتشوف» فى عام 1964، وتكونت من كل من الراحلين «بريجنيف» و«بودجورنى» و«كوسيجين».

ويستند أصحاب هذه المقاربة إلى أنه بالرغم من الاختلافات العقائدية الجذرية بين النموذج والنظام السوفيتيين من جهة والنموذج والنظام الإيرانيين من جهة أخرى، فإن هناك عناصر مشتركة هامة فيما بينهما من جهة مناهج التحليل السياسى، يأتى فى مقدمتها ارتكاز كل منهما فى الأساس على قاعدة أيديولوجية لها، أو كانت لها، شعبية واسعة وجاذبية عريضة وتمثل، أو مثلت، مصدر الشرعية الرئيسية له.

وسواء قبلنا بهذه المقاربة وهذا التشبيه أو رفضناهما أو تحفظنا عليهما، فإن فرص تحقق أفول النظام والنموذج الإيرانيين سيكون له أيضًا عوامل مساعدة أو دافعة تتصل بمسار الأوضاع الداخلية فى البلاد وأخرى تتعلق بالمحيط الخارجى، سواء الدولى أو الإقليمى.

أما على الصعيد الداخلى، فسيكون من العوامل المعززة لاحتمالات حدوث هذا السيناريو الرابع، عقب انتهاء الحرب الجارية، تمسك القيادة السياسية الإيرانية بنفس السياسات والممارسات والمناهج المتبعة فى التعامل مع مطالب لقطاعات من الداخل الإيرانى تستهدف تحقيق انفراجة سياسية واجتماعية وثقافية على صعيد الحريات، بما فى ذلك ما يتعلق بالمرأة والأقليات الدينية والعرقية واللغوية والمذهبية، والحد من التدخلات فى خصوصيات المواطنين وأمور حياتهم الشخصية والعائلية واحترام حقوق الإنسان وتوسيع الهامش المسموح به للتعددية السياسية ورفع القيود المفروضة على الترشح للانتخابات العامة وتوفير ضمانات مستدامة لتداول حقيقى للسلطة يتجاوز حدود النخبة السياسية الحاكمة، وهى أمور كلها أو أغلبها سوف يستلزم مراجعات هامة على صعيد صياغات الدستور والقوانين القائمة فى البلاد.

ولكن الأوضاع الداخلية لا تقتصر على الجوانب السياسية والاجتماعية والثقافية فقط، بل تمتد بالضرورة لتشمل فلسفة واستراتيجية إدارة الاقتصاد الوطنى، وإعطاء الاهتمام الواجب لاعتبارات رفع معدلات الكفاءة والإنتاجية والتخصص والاستعانة بأهل الخبرة، بالإضافة إلى إدارة المؤسسات الاقتصادية على أسس تجمع بين الركائز الاجتماعية والاقتصادية، وكذلك إيلاء الاهتمام اللازم لمهام محاربة الفساد وضمان الشفافية والقدرة على المحاسبة، وتحقيق التوازن فيما بين القطاعات الاقتصادية المختلفة، وفك الارتباط بين عدد من المؤسسات الاقتصادية الضخمة وبين بعض مؤسسات الدولة الأخرى، أو تلك التابعة بشكل مباشر للمرشد الأعلى للثورة، غير المتخصصة فى الأمور الاقتصادية من جهة الإنتاج أو التصدير أو التوزيع.

كذلك يندرج تحت مظلة الأوضاع الداخلية موضوع فى غاية الأهمية وهو أنشطة البحث العلمى والتطوير التكنولوجى، والتى يجب أن يتم الاهتمام بها وتخصيص الموارد لها، ليس فقط فيما يخص المجالات العسكرية، بل أيضًا فى المجالات المدنية من اقتصادية واجتماعية وتعليمية وثقافية، بما يساهم فى إنهاض الإمكانات والطاقات العامة للاقتصاد ورفع القدرة على القيام بعمليات الصيانة من جهة والإحلال والتجديد من جهة أخرى، وهو أمر تتعاظم أهميته فى ظل احتمال استمرار فرض عقوبات غربية بصفة عامة، وأمريكية على وجه الخصوص، أو بعضها، على إيران بعد انقضاء أجل الحرب الأمريكية الإسرائيلية الجارية على إيران.

وتقودنا هذه النقطة الأخيرة إلى العوامل الخارجية التى يمكن أن يكون لها دور فى الدفع نحو الأفول التدريجى للنموذج والنظام الإيرانيين، وهى تتنوع فيما بينها بين ما هو إقليمى وما هو دولى، وبين ما هو سياسى وما هو اقتصادى وما هو علمى وتكنولوجى.

وربما من أهم هذه العوامل ما ستسفر عنه الحرب الجارية من ترتيبات فيما يتعلق بمطالب اقتصادية طرحتها إيران ضمن ما يمكن اعتباره شروطها لإنهاء الحرب الجارية على نحو شامل وكامل وغير قابل للتراجع عنه، ويشمل ذلك مطالب إيرانية متنوعة بشأن الإفراج عن كل الأرصدة الإيرانية المجمدة فى الخارج، ورفع العقوبات الاقتصادية وتلك المتعلقة بالتعاون معها فى البحوث العلمية وفى توريد أو نقل أو تطوير التكنولوجيا بشكل كامل، ورفع القيود المفروضة على التبادل التجارى مع إيران وعلى استيراد المنتجات النفطية منها، ولا تقف المطالب الإيرانية عند هذا الحد، بل تعدتها لتطالب بتعويضات عن الأضرار المادية والخسائر البشرية التى تعرضت لها من جراء الحرب الأمريكية الإسرائيلية عليها، وستحدد مدى وحجم الاستجابة لهذه الطلبات/ الشروط الإيرانية أو بعضها، بدرجة أو بأخرى، قدرة النظام الإيرانى على تجاوز حالات من السخط الداخلى على سياساته الاقتصادية والاجتماعية، ظهرت فى تظاهرات واحتجاجات يناير 2026.

كذلك فإن إدارة القيادة السياسية الإيرانية لعلاقات البلاد مع البلدان المجاورة سيكون له دور إما فى تعزيز التدفقات الاقتصادية إلى البلاد وفى تحصينها مستقبلًا ضد أى اعتداءات تأتى من دول الجوار أو عبرها، أو تصب فى الاتجاه المعاكس لذلك بحسب طبيعة توجهات السياسة الخارجية الإيرانية على المستوى الإقليمى، كذلك فإن العلاقات الإيرانية مع الدول الرئيسية فى الأقاليم التى تنتمى إليها إيران بشكل مباشر وتمثل دوائر تحركها الدبلوماسى مثل المملكة العربية السعودية وتركيا ومصر وباكستان والهند، ومستقبل أنماط علاقاتها وتعاملاتها مع الحركات الحليفة لها فى المنطقة، وأيضًا طبيعة الاستراتيجية التى سوف تتبناها تجاه إسرائيل، كل ذلك سيكون له دور فى تحديد إذا ما كانت نهاية الحرب الجارية تفيد النموذج والنظام الإيرانيين أم تؤدى إلى تراجعهما.

وعلى صعيد العلاقات الدولية، فإن النتائج المترتبة على الحرب الحالية بشأن البرنامج النووى الإيرانى سيكون لها انعكاسات بالغة الدلالة على الصورة الذهنية والمكانة للنظام الإيرانى فى الداخل والخارج على حد سواء، ومن ثم على قدرته على السيطرة والحصول على الشرعية داخليًا ومصداقية أدواته خارجيًا، إلا أن الأمر لن يتوقف على مسألة الملف الإيرانى فقط، بل سيشمل كيفية إدارة علاقات إيران بكفاءة مع الأطراف الدولية المؤثرة، بما فيها بالطبع الولايات المتحدة الأمريكية، ولكن بما يشمل أيضًا روسيا والصين والاتحاد الأوروبى واليابان وغيرها من أطراف دولية مؤثرة وهامة، وكذلك قدرة إيران على توظيف فعاليتها فى المنظمات الدولية ومبادئ القانون الدولى لحماية مصالحها وتعبئة الحشد الأدبى من جانب دول العالم، خاصة بلدان الجنوب العالمي، لها، بالتوازى مع تعزيز شبكات المصالح مع دول متشابهة التفكير والمصالح معها دوليًا وإقليميًا.

وختامًا، فيتعين علينا إدراك أنه إذا تحقق سيناريو الأفول التدريجى للنموذج والنظام الإيرانيين بالحال التى هما عليها اليوم، فالأثر لن يقتصر على إيران، بل سيتجاوزها وستكون التداعيات عميقة على صعيد العديد من دول المنطقة وعلى مجمل الوضع الإقليمى، بل وعلى العالم الإسلامى بأسره، على الصعيدين الفكرى والعملى، بما قد يصل إلى طرح تساؤلات جدية فى هذه الحال بشأن أشكال وصور ومضامين مستقبل العلاقة بين الدين والسياسة فى العالم الإسلامى، مع إدراكنا بالطبع للخصوصية الشيعية للحالة الإيرانية.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved