إعصار أزرق!

خالد سيد أحمد
خالد سيد أحمد

آخر تحديث: الجمعة 6 نوفمبر 2026 - 6:25 م بتوقيت القاهرة

عقب الغزو الأمريكى للعراق عام 2003، والإطاحة برئيسها الراحل صدام حسين، ثم إظهاره بشكل مهين ومذل وقت القبض عليه، نقل عن الرئيس اليمنى الراحل على عبد الله صالح قوله فى تصريحات صحيفة: «يجب أن نحلق لأنفسنا قبل أن يحلق لنا الآخرون!».


استدعاء هذه المقولة الساخرة والعميقة فى آن واحد يبدو ضروريا من جانب بعض الدول العربية فى الوقت الراهن للتعامل مع تداعيات «الإعصار الأزرق» الذى ضرب الولايات المتحدة فى انتخابات التجديد النصفى للكونجرس، وأسفر عن سيطرة الحزب الديمقراطى على مجلسى النواب والشيوخ، وربما يكون تمهيدا لدخول إدارة ديمقراطية جديدة إلى البيت الأبيض بعد عامين، قد تعيد استخدام ملف حقوق الإنسان والحريات كوسيلة ضغط مثلما حدث سابقا مع إدارة باراك أوباما.


يعتقد البعض أن المهمة الأساسية وأجندة عمل الديمقراطيين فى الكونجرس خلال العامين المقبلين، ستتمثل وتنحصر فى محاولة لملمة الفوضى والخراب وتطويق الحروب والأزمات التى تسببت فيها إدارة ترامب خلال الفترة الماضية، والعمل على إيجاد حلول للقضايا الداخلية الملحّة مثل ارتفاع تكاليف المعيشة والتضخم الناجم عن ارتفاع أسعار الطاقة بسبب الحرب ضد إيران، والرسوم الجمركية والرعاية الصحية، فضلا عن مكافحة الفساد الذى استفادت منه الكثير من الدوائر القريبة من الرئيس الأمريكى.


لا جدال فى أن اهتمام الديمقراطيين سينصب فى المقام الأول على معالجة القضايا والمشكلات الاقتصادية والاجتماعية والمعيشية التى يعانى منها المواطن الأمريكى جراء سياسات وقرارات إدارة ترامب، لكن الادعاء بأن وجودهم فى مركز التشريع والمراقبة حاليا، واحتمال عودتهم للبيت الأبيض بعد عامين، سيكون أمرا عاديا وطبيعيا بالنسبة لعلاقاتهم مع بعض الدول العربية ليس فى محله تماما، بل قد يخطئ من يظن أن تعاملهم سيكون شبيها بتعامل الجمهوريين معهم فى ملف الحريات وحقوق الإنسان.


هذا الملف كان دائما محور تركيز واهتمام ووسيلة ضغط من جانب «الديمقراطيين» على مدى فترات كثيرة ماضية.. قد يصعد أحيانا إلى بؤرة الأحداث جالبا للمزيد من الضغوط والتهديدات ضد الدول العربية.. وقد يتوارى عن المشهد جراء التطورات السياسية والأمنية فى المنطقة، لكن فى المجمل يظل ورقة ضغط فى يد الولايات المتحدة تستخدمها وقتما تشاء.


هناك خياران للتعامل مع هذا الملف.. الأول تجاهله تماما والمراهنة على أن العلاقات بين تلك الدول وواشنطن أعمق من أن تتأثر بأى تغيرات فى توجهات السياسة الخارجية الأمريكية، نظرا للمصالح السياسية والأمنية القوية بينهما، والقادرة على تطويق أى خلافات فى هذا الشأن، والتأكيد أن ما يثار فى هذا الشأن ليس أكثر من مجرد ادعاءات لا أساس لها من الصحة تغذيها جماعات خارجة عن القانون ومنظمات مغرضة لا تريد التنمية والاستقرار والخير للشعوب العربية، بل ومطالبة «الديمقراطيين» بعدم التركيز على تطبيق المفهوم الغربى لحقوق الإنسان، والنظر إليه بمفهومه الشامل، الذى يتضمن الحق فى الأمن والصحة والتعليم والمسكن الملائم، ومراعاة خصوصية الظروف التى تمر بها سياسيا وأمنيا واقتصاديا.


أما الخيار الثانى فيتمثل فى تطبيق مقولة على عبد الله صالح «الطريفة»، والعمل الجاد والحقيقى على معالجة أوجه القصور فى ملف الحريات وحقوق الإنسان أينما وجدت، حتى لا تصبح سيفا مسلطا على رقبة الدول العربية، بما يرغمها على سلوك مسارات أو تبنى سياسات أو اتخاذ قرارات لا تتفق ومصالحها الوطنية.


ليس عيبا أن تكون لدى بعض الدول مشكلات فى ملف الحريات وحقوق الإنسان وأن تسارع إلى العمل على حلها ومنع استخدامها كورقة ضغط عليها، لكن العيب الحقيقى يتمثل فى تجاهل ذلك ودفن رأسها فى الرمال، أو محاولة فرض أو تسويق مفهوم جديد لحقوق الإنسان غير معترف به عالميا، وبالتالى يجب المسارعة فى إجراءات فعلية لحل الكثير من المشكلات التى تشوه سجل حقوق الإنسان فى المنطقة.


ينبغى من الآن التعامل بجدية بالغة مع نتائج الانتخابات الأمريكية وسيطرة الحزب الديمقراطى على الكونجرس، والاستعداد للتداعيات والانعكاسات المستقبلية لهذا الإعصار، وعدم اختزال المشهد كله فى فوز عبد الرحمن السيد «عبدول»، كما نراه من نقاشات وسجالات حادة على وسائل التواصل الاجتماعى بين من هو سعيد بما حققه من إنجاز، وبين من يخشى من تأثير انتمائه الأيديولوجى على مواقفه تجاه الدول العربية.. فالمسألة هنا أكبر وأعقد من مجرد انتصار «سيناتور»، بل بتغير متوقع فى سياسات القوة الأكبر فى العالم.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved