فى الدفاع عن الذات
بسمة عبد العزيز
آخر تحديث:
الجمعة 6 نوفمبر 2026 - 6:50 م
بتوقيت القاهرة
دخلت سيدةٌ بطفليها إلى المبنى الهادئ الذى لا يحوى سوى عدد قليل من الأشخاص البالغين؛ لمحها رجلٌ من الجالسين فأبدى اعتراضه على وجودها، وأصرَّ على أن المكان مُخصَّص للأعضاء العاملين ممن بلغوا السنَّ القانونية فقط. رفضت الخروج وتطوَّر الأمر إلى مُشادَّة؛ ظهر على أثرها بعض أفراد الأمن، وسرعان ما جعلت السيدة تصيح وتلوح بيديها؛ مُتهِمةً الرجل بقلة الذوق وبلادة الإحساس. تمسَّك بموقفه، فزادت من الصياح؛ حتى طغى حسُّها على كلماته التى تاهت وتبعثرت، ولم يعد لها وجود حاسم رغم سلامة موقفه. أومأت واحدة لجارتها فى تهكُّم: "صدق اللى قال؛ خدوهم بالصوت ليغلبوكم".
• • •
يملِك كلُّ واحد فينا أدوات متعددة للدفاع عن نفسه. ثمَّة من يبادر إلى لوم الآخرين رغم أنه يدرك جيدًا كونه المخطئ، ومَن يجاهر دون مناسبة بقوته وسلطته ليخيفهم؛ فيراجعوا أنفسهم قبل أن يفكروا فى التعدّى عليه، ومن يُبدى الضَعف وقلة الحيلة، فيجنى بموقفه هذا مكاسب أكبر، ويُقال حينها فى صنيعه: "اتمسكن لحدّ ما تمكّن". المَسكنة من الفعل سَكَنَ أيّ التزم الهدوء، والقصد أنه ادعى الضَعف وقِلة الحيلة بما دفع الناس لمساعدته، وحين نال مراده؛ كشف عن الوجه الآخر.
• • •
يقول المثل الشعبيُّ: "العايبة تلهيك واللى فيها تجيبه فيك"، والحال أن المرء يدرك بطبيعة الأمر عيوبه، وفى معرض التنصُّل منها فإنه يَصِم بها غيره؛ وإذ يتلهى المَوصوم فى محاولة الدفاع عن نفسه؛ يكون الواصم قد نجا، وراح يستعد للخطوة التالية، وما أكثر ما اتهم فاسدٌ مَن حوله بما فيه مِن نواقص؛ ساعيًا لصرف الأنظار عنه وتوجيهها بعيدًا. على الجانب الآخر، تأتى إحدى الحيل الدفاعية الأصيلة التى يلجأ اللا وعى إليها فى بعض المواقف، ويقوم الشخص من خلالها بإسقاط عيوبه فى الآخرين والإشارة إليها؛ إنما دون تعمد أو قصدية.
• • •
تؤكد القاعدة الحربية التى أثبتت مع التجربة نجاحها أن "الهجوم خير وسيلة للدفاع". الهجوم مبادرة، وصاحب المبادرة يمتلك على الدوام أفضلية؛ إذ له اليد العليا فى طرح الكلمة الأولى، وغالبًا ما تكون الأخيرة أيضًا له. الاستباق بالفعل يمنح الفاعل سيطرةً مُحقَّقة على مسرح الحدث ويعطيه زمام القيادة، أما هذا الذى يكتفى برد الفعل؛ فيظل فى المرتبة الثانية لا يبارحها. الحال أن حِكمة التأنى والانتظار ليست اختيارًا إيجابيًا أو مثاليًا بصورة مطلقة؛ فبعض المرات يستلزم الموقف حسمًا سريعًا مبكرًا، وتكون للتباطؤ نتائج سلبية مفجعة.
• • •
المُذنِب قادرٌ فى أحوال كثيرة على قلب المائدة وتبديل المواقع؛ بما يجعل الناس يتعاطفون معه ويلومون ضحيته، وذاك موقفٌ تصوره القولة الطريفة: "ضربنى وبكى وسبقنى واشتكى"، ومثل هذا السلوك قد يصدر عن الأطفال، وجزء منه محاولة لجذب الانتباه والحصول على تعاطف الكبار واهتمامهم، أما حين يرتكبه الكبار أنفسهم؛ فعلامة على عدم اكتمال النضج والاحتياج الدائم إلى ممارسة الخداع والتحايل.
• • •
"ما لقوش فى الورد عيب قالوا يا احمر الخدين". مثل شعبى رائج نستخدمه ما انتوينا الدفاع عن شخص نبغى تنزيهه عن أى نقيصة، والتأكيد على مبلغ مثاليته واتساع فضائله. نستظهر طيب صفاته وننفى عنه كل مذمة، ونؤكد عبر الأمثال والأقوال أن الحاقدين عليهم هم مصدر النقد، وأن الغيظ دافعهم ليس إلا، والحال أن المبالغة عادتنا الأصيلة؛ سواء فى كيل النقد أو قرض المديح، ولا شكَّ أن لكل امرئ عيبه، والحكمة كامنة فى العمل على تداركه وإصلاحه؛ لا إنكاره أو نفيه.
• • •
يلجأ بعض الناس فى سبيل حماية مصالحه وتحصينها، إلى مداهنة من يملكون تعطيلها أو إفسادها، ولا يجد غضاضة فى اتباع المثل القائل: "إن كان لك عند الكلب حاجه قل له يا سيدي"، والهدف الظاهر من إعلاء شأن الحقير والتزلف للخسيس والتقرُّب من الدنيء؛ اتقاء ما قد يصدر عنه من بطش وإيذاء. الإشارة الواردة تكنى كلَّ صاحب سطوة أو نفوذ يُخشى مسلكه الخبيث، وقد جرت العادة بأن نجعل الكلب أداة للذمّ رغم خصاله الحميدة، وما من جدال أنه يفضل كثير البشر فى مودته وإخلاصه، ووفاءه لأصحابه.
• • •
بعض المرات يحلو لنا أن نصور سلوكًا سيئًا بعكس ما يُفترَض أن يحمل من مشاعر ودلالات؛ خاصة إن كان مرتكبه شخصًا مُقرَّبًا. نمنحه أسباب القبول والرضاء بدلًا من الرفض والنفور؛ بل وقد نتمكن من جعله مُحبَّبًا مرغوبًا، مستعينين بعض الأحيان بالمأثور الشهير: "ضرب الحبيب زى أكل الزبيب". الظن أن الضربَ واحد وإن اختلف الضارِب؛ إنما هو الميل إلى تسكين الألم والتجاوز عن الإهانة، وحلّ الصراع الداخلى القائم ما بين الإحساس بوقوع الأذى وضرورة دفعه، وبين عدم القدرة على التنفيذ. فى بعض المرات، يصبح استخدام هذا المأثور مجرد محاولة بائسة للتعامل مع الواقع المُهين؛ عبر تجميله وتزيينه وإخفاء سلبياته؛ لكن الحقيقة سرعان ما تفرض نفسها، وتجبر المرء على الاعتراف بها؛ والأمل ألا يحدث بعد فوات الأوان.