يا مصر بتعمليها إزاى؟
أسامة غريب
آخر تحديث:
الجمعة 3 يوليه 2026 - 6:10 م
بتوقيت القاهرة
عندما نزل من الطائرة بعد غيبة سنوات وصافحت بصره، لافتة: ادخلوها بسلام اَمنين، اهتز قلبه ووجد نفسه يغمغم: والله يا مصر زمان.
عبث رجال الجمرك بحقائبه، واستظرف أحدهم سائلًا إياه عن فيلم ثقافى أو حتى مجلة، فلم ينفعل ولم يسمح للغضب أن ينتقص من فرحته.
لملم أشياءه وخرج من المطار. هو يعلم أن مصر قد تغيرت أحوالها إلى درجة كبيرة، ولن يدّعى التفاجؤ بالرشوة والسوقية. لقد كانت هذه أسباب سفره واغترابه.
كل ما يعنيه الاَن هو إجازة لمدة أسبوعين بأقل قدر من المنغصات، ولن يسمح لأحد بأن يفسدها عليه.
حاول أن يؤجر سيارة من المطار ففوجئ بأن الشركات ذات الأسماء العالمية لا يوجد بها سيارات بفعل الضغط فى الأعياد.
توجّه بعد أن وضع حقائبه بالبيت الى مكتب تأجير سيارات قرأ رقمه فى إعلان.
كان المكتب فخمًا يحتل شقة بالدور الأول فى عمارة بالمهندسين، والسيارات تتخذ من الرصيف والشارع معرضًا دائمًا! أدهشه أن المكتب يغص بالفتيات اللائى يشبهن مَن يأتون بهن للبرامج التليفزيونية، حيث يقمن بالتصفيق وعمل هيصة لتسخين البرنامج! سألته الموظفة بدلال عن طلبه فأجاب: أى سيارة بحالة جيدة.
أمسكت بيده وسارت به إلى الشرفة وأشارت للسيارات الواقفة بالأسفل: اختر ما شئت فكل ما لدينا جديد. أشار إلى واحدة.
قدمت له نموذجا لملء بياناته، لم يجادل فى السعر رغم ارتفاعه الواضح، لكن أفزعه الشرط الموضوع فى العقد والخاص بألا يسافر خارج القاهرة وألا يتعدى ما يقطعه يوميًا مائة كيلومتر، اعترض بشدة لأنه ينوى أن يسافر داخل القطر كما يحلو له.
قالت ذات الدلال إن هذا يقتضى سعرًا مضاعفًا! رضخ صاغرًا لكنهم لم يكتفوا وطلبوا مبلغًا آخر على سبيل التأمين يتم رده عند إعادة السيارة.
بعد أن وقّع الأوراق ودفع المطلوب فاجأته الموظفة عندما سألته التوقيع على إيصال أمانة على بياض.
رفض بشدة وقرر إلغاء الأمر برمته، حيث إن تأجير السيارات فى كل مكان بالعالم لا يتضمن هذا الإجراء العجيب.
هنا تدخل صاحب المكتب وهو رجل لا تُخفى أناقته البادية سحنة القواد غليظ الملامح التى يحملها وقال: يا سعادة الباشا، نحن نثق بمعاليك ولكن هذا إجراء شكلى يسرى على الجميع..عندما تعيد الينا السيارة نعيد إليك الإيصال.
خاف وتردد ومع ذلك فقد استسلم ووقّع الإيصال، لكن تفاؤله بالإجازة بدأ يهتز. تسلم المفاتيح ونزل الى السيارة، فلما اقترب منها فوجئ بها «مخبوطة» فى أكثر من موضع.
قال الموظف: سنقوم بعمل بيان بكل العيوب الموجودة بالسيارة حتى لا نقوم بتحميلك مسئوليتها عند إعادتها. فقال وهو يقاوم الانفجار: «أنا أريد سيارة سليمة ودون عيوب وقد دفعت مبلغًا يكفى لشراء سيارة فى البلد الذى أعيش فيه.
اعتذر الموظف السمج قائلًا: لقد وقّعت سيادتك على العقد ولا نستطيع تغيير السيارة! عندما صاح غاضبًا: إذًا أعيدوا إلى فلوسى فإن الموظف هز كتفيه فى لا مبالاة وانصرف.
نظر لأعلى فوجد صاحب المكتب والسكرتيرة يطالعانه من البلكونة.
صعد إليهما مسرعًا وحكى الأمر للفتاة طالبًا إلغاء العملية واسترداد ما دفعه، فاعتذرت بأن ما تم دفعه لا يمكن استرداده. طلب التحدث مع صاحب المكتب، فأخبرته أنه انصرف ولن يعود قبل يومين! هو يعلم أن الوغد موجود..ما العمل مع هؤلاء المخادعين؟ شعر بالدنيا تضيق فى وجهه والإجازة توشك أن تتحول إلى كابوس.. لماذا تفعلون هذا؟ ألا تحرصون على سمعة مكتبكم؟ قالت الموظفة: صدقنى يا أفندم نحن لسنا نصابين.. كل ما فى الأمر أن العائدين من الخارج يتصورون الأمور فى مصر تجرى مثلما هى فى الخارج، وعندما تعتاد على التعامل معنا ستعرف كم نحن طيبون! لم تزده كلماتها السخيفة إلا غضبًا. المهم.. فوّض أمره إلى الله وعاد لاستلام السيارة.
كانت مهمة فحص السيارة صعبة للغاية تحتاج لعينى صقريستطيع رصد العيوب حتى لا يحمّلونه إياها عند إعادتها. فى النهاية دخل سيارته وقبل أن يدير الموتور اكتشف غياب المراَة الأمامية! أين المراية يا بنى؟.. ثانية واحدة معاليك، غاب الأفندى قليلًا ثم عاد مبتسمًا وفى يده المراَة، ثم دخل وثبّتها فى مكانها. أين كانت؟ هل أخفيتموها لتحاسبونى عليها وكأننى أنا الذى أضعتها؟ ابتسم الموظف فى حياء مصطنع يليق بغانية ولم يرد.
وضع المفتاح وحاول إدارة السيارة فلم يتحرك الموتور. صرخ على العاملين: تعال يا بنى، السيارة لا تدور، الله يخرب بيوتكم ..خف اليه وجه جديد.. ما الموضوع يا معالى الباشا؟ الموضوع ان السيارة قطعة خردة لا تدور، فرد العامل كأنه تذكر شيئًا: اَه عرفت، السيارة ليس بها بنزين، غاب لحظات ثم عاد يمسك بكوز حقير وصب مقدار فنجان من البنزين داخل السيارة وقال: من الممكن هكذا أن تصل الى محطة الخدمة عند الناصية القادمة!.كاد صاحبنا أن يبكى من القهر.. لقد قام باستئجار سيارات فى معظم عواصم العالم، ومن المتعارف عليه أنك تتسلم السيارة مملوءة بالوقود وتعيدها مملوءة. أما أن تتسلمها فارغة فهذه بدعة غير مسبوقة. وصل للمحطة وملأ السيارة بالوقود واندفع على الطريق آملًا أن تكون الأجازة قد بدأت، لكن ما كاد يصل الى الطريق الصحراوى حتى سمع الموتور يزمجر وحشرجته تتزايد، ثم يتعطل وتقف السيارة.
يومًا بأكمله تحت الشمس الحارقة أمضاه صاحبنا على الطريق بصحبة الميكانيكى والكهربائى والعفشجى.. فى النهاية تم إصلاح السيارة ودفع صاحبنا مبلغًا جسيمًا لإصلاح الكتاوت والكبالن والأنارخ الى اَخر هذه الأسماء العجيبة!
فقد صاحبنا رغبته فى الفسحة وانهارت أحلامه فى الإجازة، وصار كل همه أن يستعيد إيصال الأمانة.
أعاد لهم السيارة مجددة ومملوءة بالوقود، وترك لهم مبلغ الايجار الذى دفعه، كما سمح لهم أن يصادروا مبلغ التأمين لأن السيارة بها تلفيات!
لم يجادل ولم يناقش.. استعاد ايصال الأمانة وخرج إلى الشارع يغنى: يا مصر بتعمليها إزاى؟