طارق التلمسانى.. عين منحتنا كل هذا الضوء

خالد محمود
خالد محمود

آخر تحديث: الأربعاء 1 يوليه 2026 - 8:05 م بتوقيت القاهرة

ثمة مفارقات مؤلمة لا تحتاج إلى كثير من البلاغة كى تلامس القلب. فحين تخبرنا الأنباء عن تعرض مدير التصوير الكبير طارق التلمسانى لأزمة صحية أثرت بقسوة على بصره، يبدو الأمر وكأن القدر يضع أحد فرسان الصورة فى مواجهة أصعب اختبار يمكن أن يواجهه فنان عاش عمره كله بعينيه.

فالعين بالنسبة لمدير التصوير ليست مجرد حاسة، بل هى أداته الأولى والأخيرة. بها يلتقط الضوء، ويقرأ الوجوه، ويكتشف التفاصيل، ويصنع الجمال. لذلك تبدو قسوة وقع الخبر مضاعفة عندما يتعلق الأمر برجل كرس حياته لصناعة الصورة ومنحها روحها الخاصة.

وأنا أستعيد اسم طارق التلمسانى اليوم، تعود إلى ذاكرتى صورة قديمة من موقع تصوير فيلم «أيام السادات» فى شوارع وسط القاهرة. كان يومًا حافلًا بالتوتر وضغوط العمل، وشهد نقاشًا حادًا بين الفنان أحمد زكى والمخرج محمد خان حول أحد المشاهد. بدا الخلاف وقتها كبيرًا، وكل طرف متمسك برؤيته الفنية، بينما كانت ساعات التصوير تمضى وسط حالة من الشد والجذب.

وسط تلك الأجواء المشحونة، لفت انتباهى طارق التلمسانى. لم يكن الأعلى صوتًا، لكنه كان الأكثر هدوءًا. يتحرك بابتسامته المعهودة، ويتعامل بصبر لافت، وكأنه يدرك أن الفن لا يولد إلا من رحم الاختلاف. كان قادرًا على امتصاص التوتر، ومواصلة العمل بهدوء وثقة، دون أن يفقد روحه المرحة أو احترامه للجميع. يومها أدركت أن الرجل لا يمتلك عينًا فنية استثنائية فحسب، بل يمتلك أيضًا إنسانية نادرة.

وربما كانت تلك الروح واحدة من أسرار نجاحه الطويل. فالتلمسانى لم يكن مجرد مدير تصوير محترف، بل كان شريكًا حقيقيًا فى صناعة عالم كامل داخل الكادر، يمنح المكان روحه، ويجعل الضوء جزءًا من الحكاية.

يكفى أن نتأمل قائمة الأفلام التى ارتبط بها اسمه لندرك حجم تأثيره. ففى «خرج ولم يعد» شاركت عدسته فى رسم تلك العلاقة الساحرة بين الإنسان والأرض والطبيعة المصرية. وفى «البحث عن سيد مرزوق» ساهم فى خلق عالم داود عبد السيد الغامض والمشحون بالأسئلة والرموز.

أما فى «الطوق والأسورة»، أحد أهم أفلام الواقعية الشعرية فى السينما المصرية، فقد تحولت الصورة إلى مرآة لوجع الصعيد وأحلامه المنكسرة، بينما جاء «زمن حاتم زهران» ليؤكد قدرته على التعبير عن التحولات الاجتماعية والنفسية بلغة بصرية رفيعة.

ومع أفلام مثل «آيس كريم فى جليم» و«أمريكا شيكا بيكا» و«إشارة مرور» استطاع أن يلتقط روح جيل كامل كان يبحث عن أحلامه وسط التحولات الاقتصادية والاجتماعية التى شهدتها مصر فى التسعينيات. كانت الصورة عنده قريبة من الناس، نابضة بالحياة، ومتصلة بإيقاع الشارع المصرى.

وفى «سارق الفرح» قدم واحدة من أكثر الصور الإنسانية دفئًا وصدقًا فى السينما المصرية، بينما حمل «الباشا» تفاصيل عالم شعبى شديد الثراء والتعقيد. أما «عفاريت الأسفلت» فكان نموذجًا واضحًا لقدرة التلمسانى على تحويل الأماكن الهامشية إلى فضاءات بصرية مدهشة، تنبض بالحياة والواقعية والشعر فى آن واحد.

ثم جاءت تجربته اللافتة فى «جنة الشياطين» و«بحب السيما»، وهما من الأفلام التى أكدت نضج رؤيته الفنية وقدرته على مرافقة مخرجين ينتمون إلى مدارس مختلفة، مع الحفاظ على بصمته الخاصة. ففى «جنة الشياطين» بدت الصورة شريكًا أساسيًا فى بناء عالم الفيلم المعلق بين الواقع والحلم، بينما حملت عدسته فى «بحب السيما» دفئًا إنسانيًا خاصًا جعل المشاهد يعيش تفاصيل الأسرة المصرية بكل ما فيها من حب وصراع وأمل.

لم يكن طارق التلمسانى من مديرى التصوير الذين يسعون إلى استعراض مهاراتهم التقنية على حساب الحكاية. على العكس، كان يؤمن بأن أجمل صورة هى تلك التى تخدم الإنسان أولًا. لذلك جاءت أعماله صادقة وبعيدة عن الزخرفة البصرية الفارغة، وقريبة من نبض الشخصيات وحياتها اليومية.

ولعل هذا ما جعل حضوره ممتدًا ومحترمًا عبر أجيال مختلفة من السينمائيين. فقد تعامل مع الصورة بوصفها لغة للمشاعر لا مجرد تكوينات جمالية. وكانت عدسته دائمًا منحازة للإنسان، للشارع، للحلم البسيط، وللتفاصيل الصغيرة التى تصنع الحياة.

اليوم، وبينما يتابع محبوه أخبار أزمته الصحية، تبدو الفرصة مناسبة لاستعادة قيمة فنان كبير لم يكن مجرد مدير تصوير ناجح، بل واحدًا من الذين ساهموا فى تشكيل الذاكرة البصرية للسينما المصرية الحديثة.

قد تختبر الحياة صانع الضوء بقسوة العتمة، وقد ترهق السنوات العين التى طالما بحثت عن الجمال، لكن ما صنعته تلك العين سيبقى حاضرًا. ستظل اللقطات التى أضاءها، والأفلام التى منحها جزءًا من روحه، شاهدة على رحلة فنان عاش وفيًا للصورة حتى النهاية.

فبعض المبدعين لا يُقاسون بما يرونه، بل بما جعلونا نحن نراه من خلالهم.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved